الثلاثاء، 7 أغسطس، 2012

أحدية الله


على عهد رسول الله صل الله عليه وسلم نظر المشركون إلى أمر الألوهية بعقولهم البشرية القاصرة، وقاسوا وجودها المطلق على وجود الإنسان المحدود .. وتوهموا أن لله نسبا كما للإنسان نسبا ..

فعن أبي كعب أن المشركين قالوا للنبي صل الله عليه وسلم :
انسب لنا ربك..
فنزلت سورة الإخلاص ..
السورة من أقصر سور القران..
عدد آياتها أربع.. وعدد كلماتها 15.. ورغم أن القران كله لا يضم سورة أقصر منها غير

سورة الكوتر.. رغم هذا كله قالصل الله عليه وسلم
إن هذه السورة تعدل ثلث القران.. وسر ذلك يسير..

إن سورة الإخلاص تضع قواعد التوحيد الأساسية بآياتها الأربع، وتبين أصول التصور الإسلامي في حق الله عز وجل، وتنزهه عن مشابهة خلقه، وتبين تعاليه عن القوانين الحاكمة لهؤلاء الخلق..

تبدأ السورة بكلمة من حرفين
” قل”
هذا أمر موجه من رب العالمين إلى رسوله صل الله عليه وسلم
ومن بعد الرسول يستمر الأمر بعدها إلى كل إنسان.. قل لمن سألك أن تنسب ربك
” قل هو الله أحد. الله الصمد.لم يلد ولم يولد.ولم يكن له كفوا أحد”

قل هو الله أحد

ينفرد الله سبحانه وتعالى بأحديته في الوجود والحكم انفرادا لا مثيل له في انفراد أحد بالوجود والحكم..
هو الموجود الأحد.. هو الخالق الأحد، وهو المالك الأحد، وهو المدبّر الأحد.. الأحد بمعنى الواحد والأول، لا ثان معه سبحانه، ولا معقب على حكمه سبحانه، ولا شريك له في ملكه، ولا مثيل له في تدبيره وانفراده، ولا كفؤ له في جلاله وبهائه، ولا نظير لكبريائه و تعاليه..

قل هو الله أحد..
هذه هي الكلّية في توحيد الله. لم تقل الآية الكريمة أن الله واحد..
أشارت إلى انه واحد وتجاوزت ذلك إلى تخصيصه بأنه الأحد.

والواحد هو الذي لم يزل قبل الخلائق متوحدا بالأزل، لا ثان معه ولا خلق..
ثم أبدع الخلق فكان الخلق ثانيا، وخلق الخلق كله، محتاجا بعضه إلى بعض، ممسكا بعضه بعضا..
واستغنى عز وجل عن الخلائق فلم يحتج إلى شيء،إنما هو السابق الأول الذي كان قبل كل شيء.
والواحد من العدد في الحساب ليس قبله شيء ؛
والأحد أكمل من الواحد
لو قلت: فلان لا يقوم له واحد، جاز في المعنى أن يقوم له اثنان أو ثلاثة أو أكثر..
وإذا قلت: فلان لا يقوم له أحد، فقد قطعت أنه لا يقوم له أي عدد مهما زاد، فصار الأحد أكمل من الواحد.

والأحد تمنع من الدخول في الحساب كالضرب والطرح والقسمة و الجمع وغير ذلك،أما الواحد فداخل في الحساب منقاد للعدد

الله الصمد..

الصمد صفة من صفاته عز وجل..وهي تعني السيد الذي لا سيد معه، وهي تعني السيد المتناهي في السيادة، وهي تعني صاحب السؤدد، وهي تعني السيد المقصود في حوائج الخلق..وهي تعني السيد المطلق الذي بيده ملكوت العطاء كله..
والفرق بين سيادة الخلائق وسؤدد الله عز وجل أن الخلائق تعطي مما أعطاها الله، وينفد عطاِؤها عند حد معين،
أما الصمد سبحانه وتعالى فيعطي من خزائن العطاء التي لا تنضب.
ورد في الحديث القدسي قوله تعالى:
” يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئا”.

لم يلد ولم يولد

تعالى على أن يلد.. وتعالى على أن يولد.. لأنه ما من شيء يولد إلا وسيموت.. والله تبارك تعالى على هذا كله..
يقول الله تعالى للإنسان إنك تولد وتلد.. وتموت وتورث.. وكل شيء في الكون يخضع لدورة الميلاد و النمو والانحلال والموت.. وهذا كله جائز في حق بشر والخلائق..
أما خالق البشر والخلائق فلم يلد ولم يولد.. وجود الله قديم قديم.. يمتد في الأزل من قبل أن يخلق الأزل.. يمتد في الزمان من قبل أن يخلق الزمان.. يهيمن على المكان من قبل أن يخلق المكان..لا وجود قبله سبحانه غيره سبحانه.
كان الله قبل أن يوجد القبل والبعد والزمان والكون.. هو الأول.. وهو الآخر.. خرج الوجود بكلمة منه سبحانه.. وسيذوب الوجود بكلمة منه سبحانه.. ثم يعيد بعث الوجود بكلمة منه سبحانه..

أحيانا يفكر العقل الإنساني في هذا الأزل الغامض الذي كان قبل أن يوجد الكون.. أحيانا يفكر العقل بالدهشة في الله قبل خلقه للكون : كيف كان سبحانه.. ماذا كان يدبر سبحانه.. ؟
لن يعود العقل من سياحته بغير مزيد من التحير والدهشة..لا جواب على هذه الأسئلة ولا أمثالها..

ولم يكن له كفوا أحد

بعد أن تحدثت السورة عن أحديته وصمديته وتعاليه على قوانين البشر الذين يلدون ويولدون..
توجت السورة هذا كله بالقاعدة الأم من قواعد التوحيد..
” ولم يكن له كفوا أحد”..
تنفي الآية عن الله وجود كفء له.. لا أحد كفؤ له.. لا أحد.. مثلما بدأت الجملة الأولى تقول: “هو الله أحد”.. انتهت الجملة الأخيرة بقولها: “ولم يكن له كفوا احد”..

( ليس كمثله شيء وهو السميع العليم )

سبحانه وتعالى على الشبيه أو النظير أو المعادل..
سبحانه وتعالى على كل شيء..
الوجود كله بملائكته ونجومه وأكوانه وأراضيه وسماواته عبد..
كل شيء في الوجود عبد.. سر شرفه كامن في ذل عبوديته..

الله فى العقيدة الاسلامية
( أحمد بهجت )

هناك تعليق واحد:

  1. اعتقد إن أحمد بهجت اعتمد في الجزء ده على خواطر الشيخ الشعراوي حول تفسير آيات سورة الإخلاص

    عبقرية القرآن وإعجازه تتجلى في كلمات مثل (أحد)

    ردحذف