الاثنين، 6 أغسطس، 2012

القدر والقدر ( 6)


إن الإيمان بالله يشبه جبلا يصعده المرء.. وقمة الإيمان هو الإسلام كما كانه سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم..
و لقد كان النبي صلى الله عليه و سلم مع الله بلا إرادة.. بتحديد أكثر.. كانت إرادته هي إرادة الله.. وكان إذا رمى كشف له الله عن حقيقة ماحدث (ومارميت إذ رميت ولكن الله رمى) سورة الأنفال من الآية 17.
اختار سيد الخلق أن تذوب إرادته في مشيئة الله.. وصار يتحرك بالله ، وي

سكن في الله ، ويحب
في الله ، ويكره في الله.. "بمعنى يكره ماأراد الله كراهيته".. صار الله هو السبب وراء كل مايفعل أو يدع.. صار عبدا ربانيا يكمن شرفه العظيم في قول الله عنه : (سبحان الذي أسرى بعبده) سورة الإسراء من الآية 1.
لم يقل ربنا سبحان الذي أسرى برسوله ، أو أسرى بنبيه.. لم يستخدم الحق عز وجل صفة النبوة ولا صفة الرسالة ، إنما ذكر أعلى الصفات و أشرفها... صفة العبودية..
في هذه الصفة يقف الحب على عرشه ويتحكم في نبضات القلوب وأحلام العقل وحركة الجوارح..
لو نظرنا في قصص الأنبياء فسوف نرى أنهم كانوا جميعا مسيرين.. اختاروا أن يكونوا مجبرين.. وهذا الجبر هو عين الحرية لأن الحرية الحقيقية تعني الخروج من كل سلطان غير سلطان الله.
وهذه هي العبودية الحقيقية لله..

إن ابراهيم عليه السلام كان يحب ولده اسماعيل فقد رزقه على كبر ، وكان الابن كريما ومن الصالحين ، ورغم ذلك فقد ارقده يوما على الأرض ورفع يده بالسكين وهم أن يهبط بها على عنقه.
لقد رأى في المنام أنه يذبحه.. ورؤيا الأنبياء أمر من الله.. وأمر الله حق..
ولقد كانت رؤيا ابراهيم امتحانا شديدا وبلاء عظيما. تأمل تعبير النص القرآني : (إن هذا لهو البلاء المبين) سورة الصافات آية 106.
كان الله تبارك وتعالى يخرج كل حب غير حبه من قلب ابراهيم.
كان يمتحن عبده ويعلمه الدرس النهائي والقيمة العليا في حياة الإنسان.. كان يعلمه حب الله عز وجل.. وحين أخرج ابراهيم كل ماسوى الله من قلبه..
حين أخرج ابنه من قلبه..
حين استسلم للقضاء والقدر وأطاع المشيئة الالهية..
عندها وقعت المعجزة وتغير القضاء والقدر بأمر الله وعلمه السابق ورحمته العليا..
(وفديناه بذبح عظيم) سورة الصافات آية 107.
يفهم من هذا أن ابراهيم كان مع الله بلا إرادة.. كان مجبرا باختياره..
كانت إرادة الله هي إرادته..
ولهذا استحق أن يقول الله عنه في كتابه الكريم :
(واتخذ الله ابراهيم خليلا) سورة النساء آية 125.
قال العلماء أن الخلة هي شدة المحبة..
و إذن.. فقد اتخذ الله ابراهيم حبيبا.. وكان ذلك حين أخرج ابراهيم من قلبه السوى.. والغير..
كل ماسوى الله أو غيره..
كان هذا موقف ابراهيم.. اختار الجبر.. فكرمه اختياره..

وعلى النقيض كان موقف يونس.. اختار يوما بغير رجوع إلى الله ، خرج يوما من الجبر باختياره..
(وذا النون إذ ذهب مغاضبا) سورة الأنبياء الآية87.
لم يستسلم للبقاء مع قومه وخرج غاضبا عليهم وقرر هجرهم..
كان يونس يستخدم حريته وإرادته ساعتئذ.. نسي أنه نبي وليس له أن يختار..
ومثلما كان ثواب ابراهيم جليلا كان عقاب يونس رهيبا..
عوقب على خروجه من الجبر بسجنه في جوف الحوت.. وجرى الحوت في جوف البحر ، وأطبقت ظلمات ثلاث.. ظلمة الليل والندم ، وظلمة قاع البحر ، وظلمة جوف الحوت..
ولولا تسبيحه ماانفتحت أبواب سجنه.. (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) سورة الأنبياء من الآية 87.
وخرج يونس من سجن الاختيار وعاد إلى طلاقة الإرادة الإلهية..
ومثل بقية الأنبياء يختار الشهداء والأولياء الجبر..

يقول محمد إقبال "أن جبر خالد بن الوليد أحدث انقلابا في العالم.. أما الجبر بالنسبة لنا فقد اقتلعنا من جذورنا"
هذا البيت الشعري يمثل المستوى الرفيع في فهم قضية القضاء والقدر..
لقد فهم خالد بن الوليد القضاء والقدر فهما عميقا تأسى فيه بالأنبياء.
ولهذا أحدث انقلابا في العالم.. لقد صار خالد سيفا من سيوف الله في الأرض.. اختار أن يصير أداة في يد القدرة ، ومجاهدا في الله ، اختار أن يقاتل أعظم القتال في سبيل العقيدة ، وآذى مشاعره وهو يموت على فراشه كما يموت البعير..
وكانت إشارته للجروح في جسده إشارة جليلة إلى جرح روحه لأنه وهو سيف الله.. لم يلق نحبه في معركة..
كان خالد بن الوليد حرا تمام الحرية..
كان خالد حرا إلى الحد الذي فنيت فيه حريته في إرادة الخالق ومشيئته ، ولهذا كان جبر خالد بن الوليد هو جبر الأقوياء..
جبر رجل يعرف أن الله هو (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) سورة الملك آية2.
جبر رجل أحب الله قبل أن يحب الحياة..
رجل أحب الموت فوهبت له الحياة..
.....................
.....................
أما جبرنا نحن ..
أما نظرتنا المعاصرة للقضاء والقدر فقد اقتلعتنا من جذورنا.
جبر المسلمين اليوم استسلام للحياة لا استسلام لله..
استسلام لحب الحياة لا لحب الله.
وعلى عكس أيام خالد بن الوليد.. تركنا القتال خوفا من الموت.. فعرفنا الموت ونحن أحياء.. وبدلا من أن تصير الأمة الإسلامية سيفا من سيوف الله في الأرض.. صارت تضع أخطاءها على القدر وتحمله تبعة ماهي فيه من مأساة..
وعاد السؤال القديم يبرز من جديد..
هل نحن أحرار أم مجبرون؟
إن إجابة السؤال تدخل بنا مياه البحار الغريقة للسياسة..
نحن مجبرون للهوى وللأنظمة الداخلية والتقاليد الجاهلية والفلسفات الخارجية ، نحن مجبرون لقوى بشرية لاتؤمن بالله ولسنا مجبرين لله..
ولهذا لم نعرف بعد الحرية..
إن المفهوم الحقيقي لعقيدة القضاء و القدر في الإسلام ، يجعل هدف المسلم أن يوظف حريته لتصير عبودية لله.. عندئذ فقط يستطيع أن يحصل على حريته الحقيقية.. وعندئذ يستطيع أن يصير صفحات مضيئة في كتاب القضاء و القدر.. بدلا من هذه الصفحات السوداء التي نكتبها ونقول :
"كتبت علينا منذ الأزل"..
بينما القلم في أيدينا.. و المداد لم يجف بعد

الله فى العقيدة الاسلامية
( أحمد بهجت )

هناك تعليق واحد: