الاثنين، 6 يناير، 2014

حياة بلا حياة



إن أردنا الخلاص كــ  مطلب نفسى ملح .. هل تُلبى أعضائنا حاجتنا الملحة .. و تستجدي السبات الطويل  .. تشتهيه حد استحضاره ؟ أم انها أيضا ستخذلنا وتتخلى عنا؟ !

.................


كم هو مُرعب هذا الاحساس الذى يعتريك عندما يسألك شخص ما عن جديد حياتك ولا تجد شىء تُخبره به ! ، شعورك هذا يجعلك تستعرض حياتك كلها فى وقت قليل لـ تجدها حياة عادية رتيبة فارغة ، فـ دائما ما  يمضى اليوم ويأتى من بعده يوم آخر مشابه له .. وتتراكم الأيام لأسبوع .. ثم أسبوع آخر مشابه لما قبله.. وتتراكم الأسابيع لشهور .. والشهور لسنة ثم سنة أخرى ثم سنوات متشابهة فى كل شىء  ... أنت تنام لتصحو  .. وتصحو لتنام وهكذا .. تتساقط أيام حياتك دون جدوى .. تتشابه دون لمحة أمل فى جديد .. تعيش حياة خاملة جدا  كل شىء فيها يقتضى بسابقه فيصيبك  الضجر الى حد الموت الى حد فقدان احساسك بالحياة ، فهذا التتابع الممل يُفقدك المعنى .. يفقدك ارتباطك بالوقت .. تشعر بفقدان احساسك بمرور الزمن .. كل الأيام واللحظات مثل بعضها .. وكأنك تعيش فى اللازمن اللاحياة .. يتسرب الملل لروحك ويفتر حماسك وشغفك بالتدريج تجاه كل شىء فى الحياة ..  يتساوى بداخلك كل شىء ... السعادة كالشقاء ، الحب كالكره ، النوم كالاستيقاظ ، الضحك كالبكاء ، الحياة كالموت ...... الشىء كاللاشىء ..... فجأة تكتشف أن كل شىء بداخلك قد تجمد تلاشى لادموع لا وجع لا حنين لا حب لا شوق لا أحلام لا انتماء لاشىء ... عدم ... سكون ..ضياع ينتهكك من الداخل ببطء مميت ويأبى أن يتركك دون أن ينتزع ما تبقى فى داخلك من حياة .....  أصبحت لا تدرى من أنت وماذا تُريد و ما جدوى حياتك ذاتها ........... والكثير من الأسئلة والأفكار تُدخلك فى صراع مع العدمية و تملأك بإختناق لا حد له وننتهى بأنه يجب عليك أن تُغير مجرى حياتك المملة الرتيبة ..أن تملأها بشىء يدفع عنك الملل ويساعدك على الهروب من تلك الدائرة المفرغة  .. أى شىء يُفرح دواخلك ويعيد لها الحياة ......... ليكن هذا الشىء أمنية تتمناها .. وتصبح هدف تسعى لـ تحقيقه .. تفكر وتبحث وتتسائل ولا تجد .. تشعر بالرعب والضياع أكثر .. فـتعتصر دواخلك .. تسألها برجاء " ماذا تُريدى ؟ " ولا تُجيب سوى بالصمت .. يملأك الاحباط  .. فـ الكل لديه هدف يسعى الى تحقيقه ويهرول بكل ما فى داخله من قوة وماحوله من امكانيات لـ يجعله واقع يحياه ... الا أنت ! .... لِمَ أنت ؟! أهاجمت رياح اليأس دواخلك فدمرتها وتركتها صحراء جرداء بلا نبض ولا حياة ؟! ولِمَ لم تقاوم ؟! ألأنك لم تشعر ولا تعرف شىء عن هجومها سوى الآن ؟! أين الأمل ؟! أفقدته أم مللته ؟! ولكنك مازلت تتفوه به .. مازلت تستشعره أحيانا .. مازلت تُريد وتحتاج أن تُحدث تغيير جذرى لحياتك .. مازلت تنتظر شىء ما .. لا تعلم ما هو بالتحديد .. ولكنك تحتاجه ولم تفقد الأمل فى أن يأتى   .. هذا يعنى أن دواخلك لم تُحطمها رياح اليأس بالكامل .. ولكن لِمَ لا تجد أمنية شخصية تعمل على تحقيقها .. لِمَ عاجز عن التمنى لنفسك فى حين أنك تستطيع التمنى لغيرك ؟!
 ..    

ان عدت بذاكرتك للخلف قليلا .. ستجد أنك كنت شخص مختلف تماما عن هذا الذى تكونه الآن .. ستجد شخص متفائل طموح عنيد ايجابى .. يمقت السلبية والاستسلام .. عادة يتسلح بالأمل فى مواجهة أى شىء حتى يهزمه .. يأتى عليه لحظات يهوى ولكنه لا يستسلم بل يحاول النهوض .. وان هوى مرة أخرى ينهض ... وهكذا يهوى وينهض .... الى أن أتى يوم هوى فيه ولم يحاول النهوض .... ليس لأنه عاجز بقدر لأنه لا يُريد .... هذا الشخص هو أنت الذى تكونه الآن .. أنت الذى لا تُريد النهوض .... لِمَ لا تُريد ؟ !

..     

  • ربما أُنهكت من قدرتك على النهوض فى كل مرة تهوى فيها ... تريد فقدان قدرتك تلك .. تحتاج أن تمارس أقصى درجات الضعف .. أن تصرخ من جبروت الحياة ، أن تبكى أحلامك المحتضرة ، أن تلعن كل الأشياء التى تُغريك بالاقتراب منها ثم تختفى تهرب فور اقترابك .. وكل الطرق التى سلكتها وأوصلتك للاشىء ،  أن تفقد يقينك بكل المعانى و الأشخاص الذين يوهمونك بقدرتك على النهوض والاستمرار .. أن تفلت من مسايرة واقعك المرير وتنفصل من دوائر الحياة المفرغة فـ تستسلم بعمق لغزو اللاشىء لــ عقلك .. لــ قلبك .. لــ مشاعرك .. لكل جزء تفصيلة بك لازالت تحيا .. فـ هذا اللاشىء لا محدود لا نهائى يُشعرك بأن كل شىء متاح مباح بطريقة وان كانت مخيفة ولكنها مريحة نوعا ما !

    
  • وربما لأنك من كثرة التهاوى .. بات بناؤك الداخلى مُهترىء .. وسيحتاج الكثيير من الوقت والمجهود لـ ترميمه .. ولكنك لا تفعل .. ف لا شىء يُجبرك على المحاولة ..  لا يوجد فى حياتك أى دافع من أجله تجمع أشلاءك وأجزاءك المبعثرة .. من أجله تحاول استعادة نفسك التى فقدتها ...من أجله لا تستسلم للبرودة والوحدة بل تسمح لدفء الحياة أن تتسلل بداخلك .. من أجله تصر على تحقيق ما تُريد .. من أجله تُصدق أن كل شىء بداخلك وحولك قد يتحسن .... لا يوجد هذا الشىء .. لا يوجد دافع ايجابى يدفعك نحو الحياة  ومن أجله تُناضل .. بحثت كثيييرا عن أى شىء يدفعك للاستمرار .. للبقاء فى عمق لعبة الحياة ولكنك لم تجد .. لم تستطيع العثور عليه.. فتركت نفسك للاشىء الى أن يجدك هو أو أن تجده أنت حينها ستحاول النهوض مرة أخرى .. ستتخذه كـ محور تدور حوله .. أو بالأحرى ستُنظم نفسك وحياتك من حوله


  • وربما لأن الحياة فقدت معناها و قيمتها بالنسبة لك عندما بدأ العالم يتهتك من حولك .. أصبح أكثر تعقيدا وضياعا وزيفا ..  انقلبت الأوضاع حولك تماما .. تخطى كل شىء حدود المنطق والعقل .. أصبحت القمة قاع .. والقاع قمة ، والقاعدة استثناء والاستناء قاعدة ، والباطل حق والحق باطل  ..... ففقدت قدرتك على الاستيعاب واختلطت عليك الأمور وبدأت معايير الخطأ والصواب تتداخل بداخلك .. أصبحت تائه كالريشة تتقاذفها الريح .. لم تعد تدرى أى طريق تسلكه لـ تخرج من تلك المتاهات التى تمتص أحلى لحظات عمرك .. تخشى ان جازفت ومضيت فى أى اتجاه يُلقيك فى أى أكثر الطرق خطورة ووعورة .. وأنك لو  حاولت ادراك ما حولك ستفقد عقلك أمام عجزك وقلة حيلتك فى تغيير كل الحقائق المفجعة التى ستتبين لك  .. أو ربما تفقد نفسك عندما يستيقظ القبح بداخلك وتضطر أن تواجه الفساد بمثله وأكثر  ....فـ اخترت أن تبتعد عن الحياة .. أن تدخل قوقعتك الضيقة المظلمة بإرادتك .. فـ أنت ترى أن هذا الاستسلام هو أقصى قدرتك على التحمل وعجزك عن المسايرة ....وهو أيضا قمة الارادة والقوة فى مواجهة القبح فيك وحولك .. أن لا تواجه بقوة لا ولن تملكها .. أن ترفض كل شىء وأى شىء .. أن لا تتمسك بحياة أنضجتك رغما عنك .. وعالم فاق الفساد والقبح كل خيال .. أن تنتزع حقك فى الرحيل والعيش فى عالم أفضل

  • أو ربما لسبب ما خارج عن ارادتك أصبح ليس لك علاقة جدية بالعالم الخارجى .... ابتعدت كثييرا عن الحياة حتى تقطعت الخيوط بينك وبينها .. ولا تعلم كيف لك أن تصل تلك الخيوط أو ان كان من الممكن هذا .. فـ ربما ابتعدت الى الحد الذى لا يُغفر لك ولا يُقبل بعودتك .... وربما بات العالم الخارجى غريبا الى الحد الذى  لا تستطيع استياعبه فـ يُصدمك .... أى الاحتمالين أو كلاهما يبنى بداخلك حاجز خوف - ربما منطقى - يمنعك من محاولة الانخراط  .. وان حدث واستطعت هدمه يوما ما ربما تعود منه وأنت فى قمة الانهيار  وكأنك طفل صغير فصلوه عن أمه وعاد اليها يبكى ويشكى ما حدث له وهى غائبة عنه ..... وان لم تبث بداخله الثقة والدعم ستتكون بداخله العديد من الحواجز التى  تجعله لا شعوريا يعود الى قوقعته مرة أخرى ... فـ هناك يستطيع التحرر من كل شىء يُرهِقه .. من أحكام الغير ، من مخاوفه ، من احتياجاته التى لا تُلبى ، من أحلامه التى لا يستطيع تحقيقها ..... هناك يحاول الاستغناء عن الكثيير من العلاقات والأمور الكبيرة المعقدة التى تُرهبه ويوضع الباقى فى نسق أصغر يمكن لـ عقله أن يفهمه ، و لحواسه أن تدركه ، ولمشاعره أنت تحتمله ... وبشكل عام يستطيع أن تستوعبه

  • وربما لأنك أردت بشدة أن تعيش فى عالم مثالى .. فـ بدأت من نفسك .. قومتها وأصلحتها حتى تليق بعالمك المثالى .. وضعت لنفسك قواعد ثابته والتزمت بها .... ووفق تلك الثوابت والقواعد التى لا تقبل التغيير أو المراجعة وضعت الأفعال ، الأفكار ،  الأشخاص ... تحت خانة الصواب والخطأ ، الأبيض والأسود ....  وبدأ تُطالب الآخرين أن يعيشوا بسلوك ملاك ..  ووضعت عليهم الكثيير من التوقعات فخذلوك .. أردت تأطير سلوكهم المتغير ولم يحتملوا ذلك .. فـ زادت الفجوة بينك وبينهم .. بين عالمك وعالمهم ... فتلك المثالية جعلتك شديد الملاحظة للخلل فى كل شىء حولك ... و ان حاولوا اصلاحه فـ كل شىء يفعلوه لا يرضيك ولا تقبل التنازل قيد آنملة عن تصوراتك للحياة المثلى كما تريدها  فـ انعزلت وتقوقعت حتى لا تصطدم بأى شىء يناقض نظرتك المثالية 


  • و ربما كنت من هؤلاء الباحثون عن الحقيقة وعندما وجدتها لم تتحمل بشاعتها .. وكأن هناك يد خفية انتزعتك من دنياك الهادئة الواسعة لتلقى بك فى بئر مظلم عميق .. لتسأل نفسك " الجميع يبحث عن الحقيقة ولكن هل هم يريدون معرفتها حقا "؟ ! بعد تلك المواجهة باتت كلمات مثل الأمل ، الرحمة ، الفرح، الحب ، الأحلام ، ..... الحياة .... تثير بداخلك الامتعاض .. وربما تصرخ بمن يتوفه بها ليوقف سيل تلك الكلمات التى بلا فائدة ... أو تسخر من أحدهم حين ينصحك أن تتشبث بالأمل " التشبث بالأمل .. يالها من كلمات بسيطة ! " بات صعب عليك التمسك بتلك المعانى أو بالحياة ككل .. شىء ما بداخلك فاض وتجاوز أى حد منطقى للتحمل  .. كبرت كثيييرا .. لم تعد ذلك الطفل المرح القادر على مواجهة أى شىء بالأمل والاصرار فى داخله .. ادراكك الحسى ووعيك الحاد لم يعد يحتمل أى أمال كاذبة لذلك بت تُصرح دائما  أن كل ما نحياه مزيف ولا داعى لأن ندعى غير ذلك .. امتلئت بالعدم وفقدت يقينك بوجود أى جمال فى الحياة أو بجدواه فى تغيير أى شىء  .. ربما حاولت مرارا الانسحاب .. التصريح بأنك لا تريد معرفة المزيد من الحقائق المفجعة وأنك تريد العودة الى دنياك الهادئة  .. ولكنك فى كل مرة تكتشف أنك تجاوزت اللحظة الفاصلة التى تتيح لك الانسحاب .. انت انغمست كثييرا .. ومضطر لأن تكمل الطريق وأنت لا ترى أمامك سوى العدم  فتتسائل  " لِمَ على أن أخوض معارك طويلة على أشياء فقدت يقينى بها .. ولِمَ على أن أبث يقينى المفقود بداخل آخرين .. لم على فعل هذا ؟! لن يتحملوا معرفة الحقيقة .. فى الأساس هم لا يريدون معرفتها حقا .. ولكن حماستهم وغرورهم يوهموهم بذلك ، ذلك الدمار الذى حدث بداخلك والفقد الكامل للمعانى جعلك تشعر أن الأرض من تحتك هشة جدا الى الحد الذى لا يمكنك المشى فوقها ، جعل كل الطرق المفتوحة أمامك مشوهة ، جعلك تمقت الحقيقة .. جعلك لا تُبالى بتلك الحواجز الغامضة الخفية التى كانت تُثيرك فيما قبل .. الآن ما عاد يُعينك فهمها أو تخطيها !  

  • وربما لأنك لا تعرف ما تُريد وما تحتاج وماهو مباح ومتاح لك.... لا تعرف نفسك ولم تتعرف عليها .. فـ منذ طفولتك وأنت تمشى من نفس الطريق .. لا تعلم ان كان هو الطريق الصحيح أم لا ، ان كان يناسبك أم لا ، ان كان ممتع أم لا ، ..... فـ أنت لم تختاره بل حُدد لك لتسير فيه ... اعتدت على أن الآخرين يختارون لك ،  يقررون ، ينظمون حياتك .. حتى باتت لك الخيارات أمرا مكروها  .... تخشى التعثر فى الكثيير من المفاجات التى لا قِبل لك على مواجتها وحدك ان تجرأت وحطمت الصندوق الذى وضعت فيه وانطلقت لتبحث عن طريقك الخاص .. لتبحث عن نفسك ، فقبلت أن تدور فى تلك الدائرة المفرغة مكبلا بقيود الخوف والتردد  .. أن تسير فى نفس طريقك تحتمى به حيث السكون والجمود والبعد عن أى مفاجات أو أقل تغيير من الممكن أن يُرهبك 


  • وربما أنت الآن و حتى هذه اللحظة لم تفقد حماسك وشغفك بالحياة .. بل أنت ممتلىء بها و ترغب بشدة فى أن تنطلق تبدع تحيا وتحقق  الكثيير من الأحلام .. ولكن هناك أشياء تُعيقك عن تغيير حياتك أو التقدم خطوة واحدة – هيسترية المادة ، المعطيات لا توازى المتطلبات ، التقاليد العقيمة  ، ضيق فكر الآخرين وجموده ، الاغتراب ، .... -  فـ تُجبر على أن تتأقلم مع سقف توقعات أقل بكثييير مما يرضيك ... أن تتنازل عن كل ما تريد وتفعل ما لا تريد ربما تحصل يوما ما على ما تريد ... ولأنك بت تُدرك أن بالنسبة لك هناك أحلام مسموحة وأحلام ممنوعة .. ولأنك تكبت احتياجاتك وأمنياتك وطاقتك وتحترق فى سكون تام .. ولأنك تقضى اللحظات الأكثر شغفا فى حياتك فى خمول تام  أو فعل ما لا يُرضيك .. ولانك لا تجد من تلومه حولك سوى نفسك العاجزة عن تغيير أى شىء ينقذك من هذا الضياع .. ولأنك - على الرغم من أنك تحتمل وطأة الاغتراب - لا تستطيع تحمل ادراكك بأن كل طريق - ليس طريقك - تسلكه يمتص جزءا منك ولا يعيده اليك .. لا تستطيع تحمل أنك هكذا تفقد نفسك وكل يوم تتعثر بضياع واغتراب أكثر وأكثر عن سابقه ... سيولد هذا بداخلك رغبة عميقة فى عدم تجربة أى شىء للحفاظ على البقية الباقية من نفسك

    ........

 كل تلك الاحتمالات واحتمالات أخرى أهلتك لأن ينطبق عليك مصطلح " التفاؤل الاستسلامى " لـ ايريك فروم وهو " التفاؤل الواعى عادة .. والاستسلام الغير الواعى "  أى أنك دون وعى منك بدأت تُقلل مطالبك وأمنياتك من الآخرين والحياة كل يوم أكثر من سابقه الى أن تصل للاشىء وتفقد شهيتك للحياة .. وظننت هكذا أنك وصلت لمرحلة الرضا أو الزهد .. ولكنك فى الحقيقة دون وعى منك استسلمت على الرغم من أنك مازلت تنتظر وتأمل فى الأفضل .. ربما لأنه صعب عليك أن تظبطك "طبيعتك العنيدة والمتفائلة- عادة - "متلبسا بـ لحظة يأس .. لا تُريدها أن تعلم بأن عيناك ربما قد امتلأت بليل دامس حول الغد .. لا تُريدها أن تشعر بخيبتك وعجزك بعد أن كنت مملوءا طاقة و أملا بكل ما هو قادم .. فـ تحاول بكل الطرق أن تقاوم روح اليأس التى اعترتك .. ولكن فى ظل حياة وبيئة كثرت فيها لحظات الاحباط بدأت لا شعوريا تتخذ اللاشىء  حماية لك من الخيبة والاحباط والوجع عندما لا تتحقق أمنياتك وتتحطم أمالك .. أنت لم تزهد كثيرا فى هذه الدنيا ولكنك ادعيت الزهد خوفا وحذرا من خيبة مختبئة خلف عدم حصولك على ما تُريده بشدة ومايتبعه من خذلان لا تتحمله ، اعتدت ما لا تُريد وما لا ترغب أملا فى أن لا ترغب يوما ما وقد حدث ما سعيت اليه الى الحد الذى يجعلك مندهشا عندما تجد الآخرين يهرلون خلف الكثيير من الأشياء والأهداف فى الحياة ليحصلوا عليها .. وأنت لا تفعل مثلهم .. لا تتحرك .. بل ربما تهرب منها ان أتت الى تحت قدميك .. لا تُريدها وهم يتنافسون عليها ! ولا تدرى أتتعجب منهم أم من نفسك ؟! نفسك المترددة الخائفة المملة المدعية أنها لا تُريد من أحد أى شىء وخاصة الحياة لا تنتظر منها أى شىء حتى باتت حياتك بلا حياة ، وكم هو مرعب أن تُدرك أنك بت تحيا حياة بلا حياة ! ...ليس فقط لأن دواخلك اُستنفدت من الشغف وامتلئت بالعدم والخواء حد الاكتفاء .. بل أيضا لأنك فجأة بدأت تشعر بالخوف..
 الخوف من الكِبر .. ليس خوفا من الانتهاء والتلاشى بقدر ما هو شعور بالحسرة وأنت ترى سنين عمرك تهرول وأنت لم تحيا ولم تُحقق شيئا يُذكر .. شيء يبقى بعد رحيلك يجلب لك الخير ويشهد أنك مضيت بعد أن أنجزت هدفا وحققت غاية ، 
تشعر بالخوف من ادراكك لكل لحظة فى حياتك .. لأنك تشعر أنك تحياها كشخص بائس حكايته تحتضر وتتقدم بخطى واثقة نحو النهاية المأساوية التراجيدية المملة المكررة ولكن فى ثوب آخر ،  ويزداد خوفك و رعبك عندما تُشاهد العالم يسير من حولك - لا ولن ينتظرك - وأنت ثابت فى مكانك ..و كل من حولك يتقدموت .. يتغيرون .. - أو ربما يتظاهرون بذلك ..  بالحياة وهم لا يعيشون فعليا - وأنت كما أنت تائه مصلوب فى مكانك بلا حراك ، ولا قوة  .. وحياتك راكدة جدا .. الفراغ والخواء يمتصوا أحلى لحظاتها وأنت لا تستطيع فعل شىء .. فقط تمقت هذا الشعور الداخلى الذى يُخبرك أن سنوات عمرك تنساب من بين يديك وأنت عاجز عن فعل أى شىء له قيمة .... فـ تشعر برغبة شديدة فى الغياب والاختفاء والتحول الى عدم وكأنك لم تكن ، هذا الشعور وتلك الرغبة ربما يُوصلوك لأن تتمنى الموت .. تراه هو طريق الخلاص الوحيد .. ولكنك لا تحاول السعى اليه بوضوح وجرأة .. ربما فقط تفكر فى طريقة تتسلل من خلالها الى عالم الموتى .. ولكنك لا تجرؤ على تنفيذها .. ربما لأنك تجهل هذا العالم .. فقد يكون أشد ظلاما ووجعا مما انت فيه .... وربما لـ ادراكك أنك لست طفلا بريئا لم يفعل شىء يُحاسب عليه .. بل كبرت وبِتَ محملا بالكثييير من الذنوب وستعاقب عليها ان لم تتوب وتستغفر... وربما لأن طبيعتك المؤمنة بالله رفضت أن تقترب من موتتك الأخيرة الأبدية بتلك الطريقة ..... أياً كان السبب الذى أردعك عن التنفيذ  لازال اليوم لا يختلف عن أمسه ، لازالت لا يُمكنك الافلات من قبضة الحياة المعادة الباردة المكررة الا لحظات قليلة ، لازال الملل ينزع احساسك بالجمال فتبدو لك الأشياء ميتة بلا روح قبيحة بلا جمال  ، لازالت تشعر بأنك ملقى فى الخواء بعيدا عن الحياة  وبأن احساس اللامبالاة بات يتعمق ويتجذر بداخلك و بأن الكثيير من الأشياء والمعانى بدأت تفقد أهميتها تدريجيا فى حياتك وبأن اللاشى بات هو بطل أحداث يومك ، ولازالت تبحث ولا تجد ما يدفعك للبقاء ولازالت الحياة تخذلك تتركك تمضى فيها فى سكون ضياع لا تدرى من أنت ، أين طريقك ، لـ من تعيش ، أمَتَ نفسك أم أحييتها ، على من تُلقى اللوم ، وكيف السبيل الى الخلاص من حاضر أبدى عقيم لا أمل منه ولا رجاء  ، كيف السبيل الى وضع نهاية لـ عمر نهايته ستكون فراغ خواء مثل البداية ؟!       

ولازلت تعود فـ تؤنب نفسك على تخاذلها وتفكر فى طريقة تجعل يومك مميز .. تختلف فيه ساعة عن أخرى .. بدايته عن نهايته ، مازلت تبحث عن هدف يجعل لـ أيامك وسنوات حياتك نكهات ومذاقات مختلفة ، مازلت تُقرر بأنه يجب عليك تغيير مجرى حياتك ..  بأن تأخذه نحو النور ، الأمل ، الحياة .. لـ تُنير ما قد أظلم .. وتحيى ما قد دفن .. وتجد نفسك وتتصالح معها فـ تتخلص من أى قيود .. تُسقطها فى عمق هاوية اللاشىء.... بدلا من أن تستسلم أنت لتلك الهاوية و تُضيع عليك فرصة الحياة ... و تذهب فى طريق اللاعودة