الثلاثاء، 24 يونيو، 2014

جملة ينقصها حرفان

عزيزى القارىء
أمس كان يوم مُختلف - هكذا وصفته أمى - فى هذا اليوم توتر كل من بالمنزل .. وأكثرهم أمى .. كانت تفعل أكثر من شىء فى نفس الوقت .. تنظف الصالون ، وتُرسل أخى لـ شراء المياه الغازيه والجاتوه ، وتتصل بـ أبى مرات عديدة حتى لا يتأخر عن هذا الموعد الهام وتتفقدنى كل دقائق لـ تطمئن على عدم هروبى ، الأن هل علمت ما نوعية هذه الزيارات المزعجة؟ اذا كنت مازلت لم تفهم حتى الأن .. شاهد مسلسل ( أنا عايزة أتجوز) ، ولكن انتبه لـ أخبرك شىء هام : تلك الجملة ينقصها حرفان هما : "مش " لـ تصبح شعارى " أنا مش عايزة أتجوز " ..... لا تستغرب لست مجنونة .. فـ أنا مثل كل الفتيات أحلم بـ زوج حنون وقصة حب رائعة وفستان أبيض وأسرة سعيدة ... ولكن لا أريد الزواج الآن .. مازلت صغيرة وان أصبح سنى مُناسب للزواج بمعايير أمى والمجتمع .. مازلت بحاجة الى سنوات من النضج الفكرى والحسى لـ أكون مؤهلة لـ أن أكون زوجة وأم .... ولكن أمى لم  يُعجبها هذا الهراء- كما تقول - تقمصت دور سوسن بدر وأرادت أن تزوجنى بأى طريقة .. ومهما أخبرتها أننى لا أجيد لعب دور " هند صبرى " لم  تُبالى بكلامى .. وظلت تُردد" يا عبيطة ده عريس  لقطة ، وعمك بيقول عليه طيب وابن حلال ، ولا انتى عايزة تعنسى وتموتينى بحسرتى عليكى..!"  وبدأت وصلة بكاء لم تُنهيها حتى أوقفت هرائى ووافقت على مقابلة عريس الغفلة .. ولم تعلم أمى المسكينة أننى قررت تطفيشه .. وفى المعاد المحدد نادتنى أختى كدأب الاخوات لكى نختلس النظر الى الفتى وأمه من الشرفة .. وقفنا متواريتين  فى الظلام ومن خلف قطع الغسيل المعلقة رأينا سيدة محجبة يصحبها شاب متأنق ووسيم .. فـ همست لى أختى بفرح : الواد أمور .. يابختك! فهمهمت بصوت خافت : هو أه أمور .. بس أنا مش هتراجع عن خطتى ،  وانتويت فى داخلى أن أجعله يفهم أن زواجه منى سجن للتهذيب والاصلاح ، أتت أمى لـ تطمئن على مظهرى وتوصينى أن أختار جلستى ونظرتى وابتسامتى و .... وأنا لم  أجادلها فى شىء بل تقمصت دور الفتاة المطيعة حتى اطمئنت وذهبت لـ صنع القهوة وبعد أن قدمتها لـ عريس الغفلة ووالدته جلست أشاهد بـ ملل المشهد المكرر - مجاملات ، كلمات محفوظة ، ابتسامات مفتعلة ، - .... - وعلى فمى ابتسامة ساخرة أجاهد حتى أمنع ظهورها وأدركت أننى فشلت من نظرات أمى الغاضبة .. فـ حاولت مرة أخرى منعها ولكن أضحكتنى أمى عندما بدأت تُشيد  بقدرتى على الطبخ وأننى " ست بيت ممتازة "  فـ  رمقتها بنظرة تُخبرها" أدى آخرة أفلام الأبيض والأسود اللى بتتفرجى عليها "  .. وفجأة نسيت كل شىء - الملل والعريس وأمى - عندما وقع نظرى على قطع الجاتوه ..حاولت ابعاد نظرى ولكنى لم أستطيع .. فـ هذا السائل البنى يفقدنى صوابى ..ولم أشعر بنفسى الا وأنا أجلس ممسكة بـ طبق به قطعتين جاتوه وبدأت ألتهمهم سريعا - كأنى مش شفت جاتو قبل كده - وفمى المحشو بالجاتو والمياه الغازية لم يُبالى بنظرات أمى المتوعدة ولا بنظرات الدهشة والاستنكار من الفتى وأمه لـ تلك الفتاة " المفجوعة " .. لم يُبالى سوى بـ اتمام مهمته بإتقان لذا كان عليه أن يُحثنى على إخراج لسانى لـ أتمكن من لعق الشيكولاته المتناثرة حول فمى وحين استجبت وقفت أمى مذعورة وسريعا عادت مرة أخرى الى تقمص دور سوسن بدر - كى تتمكن من التغطية على ما فعلت " وقالت بـ صوت عالى : " خلينا نقوم ونسيبهم يتعرفوا على بعض " ولكن لم يتحرك أحد من مكانه .. مازال أبى ينظر لى وهو يوشك أن ينفجر ضحكا .. ومازالت الأم وولدها يراقبان اللحظات الأخيرة من عرض الفتاة " المفجوعة " .. ولكن أمى لم تسمح لهم .. ففى لمح البصر وجدت والدة العريس مسحوبة للخارج - بواسطة أمى وأبى - وهى تُدير رأسها الينا لـ تنظر لولدها المتروك معى نظرات خوف وشفقة .. ثم تنظر لى نظرات حادة متوعدة بـ عقاب شديد ان فعلت له شىء فـ ابتسمت ناظرة لـ عريس الغفلة وهمست بصوت خافت " أمك خايفة عليك لـ أكلك " !


شعرت بالراحة لـ رحيلهم  لأنى سأستطيع  تنفيذ خطة التطفييش دون مراقبة من أمى ... ولكن أى خطة ؟! فجأة أدركت أننى انتويت على تطفيشه ولكنى لم أفكر كيف والآن ليس لدى أى خطة .. فـ ماذا سأفعل مع هذا الكائن الذى يتنحنح ويكح كل دقيقة ليعلن عن وجوده ؟! جلست فى مكانى شاردة الفكر ودون أن أشعر باتت أصابعى فى فمى وأظافرى بين أسنانى تُقرضهم .. وعندما أرهق هو من النحنحنة والكح لم يجد بُد من أن يبدأ الحوار : " انتى ايه اهتمامتك؟"
 أخرجنى سؤاله من شرودى فى البحث عن خطة لـ يساعدنى فى ايجاديها لـ أهمس بفرح :"وجدتُها " ، كان هو مازال ينظر لى متنظر الاجابة على سؤالة فـ ضبطت انفعالاتى سريعا ورمقته بنظرة استنكار تُخبره : " سلامة الشوف يا أخ " .. ثم أشرت على أظافرى وأجبته  : " قرقضة الضوافر " ... ولم أتحاشى نظراته المستنكرة من جوابى  .. بل اصطنعت أننى تفاجأت بها وقلت : "  ايه ده هو انت مش بتقرقضها ؟! ده انا لازم كل يوم أقرقضها مرة الصبح ومرة بالليل .. وهببت من مكانى حين لم أجد منه رد فعل سوى الصمت و" البحلقة " وفى لمح البصر كنت بجانبه و أصابعه بين يدى فـ انتفض وحاول أن يسحب يده ولكنى كنت أمسكها بإحكام فقال : " انتى عايزة تعملى ايه ؟ سيبى ايدى " فرددت وأنا أقرب أصابعه من فمى  : " ماتخافش مش هاكلها أنا بس هوريك تقرقض ضوافرك ازاى ... ولا تحب أنا أقرقضهالك مش برضو الحياة الزوجية مشاركة ؟!  "  وعندما وجدته لا يستطيع النطق والذعر لا يفارقه .. تركت يده وعدت الى مكانى مكتفية بما حققته
وبعد عدة دقائق هدأ ذعره ونظر لى طويلا كأنه حائر ثم قال ببراءة :" انتى مش عايزة تسألينى فى اى حاجة؟" بدا لى أنه لم يفهم حتى الآن أننى " أطفشه " فلم أجد بد من أن أكمل ما بدأته ..فـ تقمصت دور فتاة مادية وبدأت أوجه له الأسئلة كـ وكيل النيابة : "انت مرتبك كام؟ وبتشتغلشغل اضافى ولا لأ؟ وبعد الجواز مين هيمسك الفلوس والمصاريف؟ وعند عربية ولا لأ؟ لازم يكون عندك .. أنا بتخنق أوى من المواصلات.. وقبل ما تمشى اكتبلى عندك أملاك ايه؟وعلى فكرة أنا منظمة جدا .. يعنى الأكل والنوم هيكون بمواعيد .. وكل يوم قبل ما تنزل وبعد ما تيجى تكتبلى تقرير عن يومك .. حتى لو يوم أجازة قاعده فى البيت برضو تكتبلى تقرير : اذا كنت بتغسل المواعين أو بتمسح الشقة أو بترضع العيال .. افرض جالنا ضيوف  على فجأة .. يلاقوا البيت يضرب يقلب ! مايصحش برضو ولا انت ايه رأيك؟! 

وهكذا تحدثت بأى هراء وقذفته بأسئلة غريبة لا أعلم من أين تأتينى .. ولم أعطيه الفرصة لـ  يُجيب .. بل كنت أعيدها له اذا حاول أن يتكلم .. حتى شعرت أننى تحولت الى " راديو من غير اريال " فـ توقفت ونظرت اليه لـ أجد مكانه فارغ  وحين رأيت أمى  تأتى وهى تزفر أنفاسها وتنظر لى نظرات نارية أدركت أن العريس فر هاربا .. وأدركت أيضا أننى مقبلة على حساب قاسى ولكنها اكتفت بالصراخ علىّ واتهامى بالجنون .... ما رأيك أنت عزيزى القارىء : هل أنا مجنونة؟

الاثنين، 16 يونيو، 2014

حالة



كثيرا ما تشعر أن شىء ما مجهول يعتصرك من الداخل .. وكلما حاولت كشف هويته كلما غاص فى دواخلك أكثر وبدأ يعتصرها فى عنف وكأنه يعاقبك على السعى خلفه فـ سريعا تُوقف خطواتك الباحثة عن هويته وتسكن فى مكانك لعله يحد من احكام قبضته الفولاذية ويسمح لك بالتنفس قليلا .. ولكنه لايشفق عليك .. يريد اذلالك وأنت ستسمح له .. ولِمَ لا وأنت تُريد رحيله بأى طريقة كانت ؟! يُريدك أن تبكى ؟ حسنا لا بأس البكاء حتما سيريحك .. فـ تأمر دموعك بالانسياب ولكنها لا تستجيب .. تأبى أن تخرج من مخبأها .. تأبى أن تريحك وتغسل روحك من الهموم والأحزان .. وقبل أن يُغضبك فِعلها .. تتذكر عدد المرات التى تمنيت فيها البكاء بجنون لعلك ترتاح من ألمك ولم تستطيع .. فـ تهدىء ثورتك قبل بِدئها .. وتردد فى نفسك " أنا المخطىء .. نسيت أنها أعلنت علىّ العصيان منذ زمن بعيد " ، حسنا لا بأس هناك طرق أخرى تحد من احتلال هذا الشىء المجهول لك .. ستتكلم .. فـ تحاول البوح بكل ما يُثقلك .. ولكنك أيضا تفشل .. فـ أنت لا تعلم ماذا تقول ؟ صدقا لا تعلم كيفية التعبير عن هذا الصخب المستفحل بدواخلك سوى بالصمت .. ويبقى لسانك عاجز أمام صمتك .. مُقيد لا يعلم ماذا يفعل حتى يتحرر من أسره ، الآن لم يبقى لك سوى اللجوء الى صديقك الوفى - قلمك - لعله يساعدك على أن تُحرر ما عجز اللسان عن فك قيوده .. لعله ينجح فى دفع هذا الشىء المجهول خارجك فـ يريحك ويخفف ألمك .. فـ تمسك به .. تحاول سكب كل ما بداخلك على الورق .. ولكنه لا يتحرك .. تحاول وتحاول ولكن دون جدوى .. تترجاه أن يكتب ويخرج كل ما بداخلك لـ تتركه خلفك وترتاح ولكنه لا يتحرك .. بحث كثيرا ولم يجد الكلمات .. فـ توقف عاجز عن مساعدتك..!
فـ تتسائل بـ حيرة وألم : لماذا دموعك ولسانك وقلمك أصبحوا أعدائك؟! لماذا أعلنوا العصيان والتمرد عليك؟! لقد كانوا أصدقائك المقربين .. ماذا فعلت لهم حتى يكرهوك ؟ والآن ماذا تفعل والكل تخلى عنك ؟ كيف ستستطيع التحرر من هذا الشىء الذى يتغلغل فى دواخلك ؟ أتركض وتهرب بعيدا ولا تعود أبدا ولكن كيف وقدامك باتت لا تحملك؟! فـ عصيان الجميع وتخليهم عنك ومحاولة بحثك عن الأسباب والاجابات بدد قواك وأنت لم تكن تقصد أبدا تبديد قواك والفوز باللاشىء .. فقط أردت التعبير عن الفوضى الصاخبة بداخلك، أردت طريق يُساعدك على أن تُنظم خطواتك الحائرة لـ تُجسدها بـ ثقة نحو عالم آمن ، أردت الانعتاق من شىء تغلغل فى روحك الى أبعد حد ، أردت أن تُتم محاولة واحدة للوصول الى شىء ما، أردت النجاح فى تخطى طرقات وُجدت بها ولانهاية لها ،أردت الانغماس - والعيش - فى الحياة والتمتع بها بدلا من الاستغراق فى التحليل والتعبير حد الابتذال والغرق ، أردت الانطلاق والتحليق ما استطعت بدلا من أن تكون مأسورا بـ قيود " قل الحيلة " وتضييع أحلى لحظات حياتك فى صراع لا ينتهى مع الاحباط والعدمية ،أردت أن لا تكون فى عالم كل شىء قبيح ممكن حدوثه فيه .. وكل شىء مُتفرد يُنتزع منه تفرده لـ يصبح نسخة أخرى مكررة لمن حوله ثم يُضاف عليه معنى ما قسرا لـ ينتج مستنسخ آخر بـ تشويه مختلف ، أردت أن تعتاد الظلمة والخوف والبرد والوجع والجفاء والموت دون أن تضطر - من وقت لـ آخر - تسول القليل من الدفء/الأمان/الاهتمام/الحب /الحياة ، ........... وفى النهاية أردت أن لا تُريد ومكثت فى مكانك منتظرا أن ينتهى كل شىء .. ظنا منك أن المشكلة تكمن فى أنك " تُريد "