الخميس، 28 يونيو، 2012

الحيلة الشيطانية ( الجزء الثانى )


                                           بداية رحلة التمرد

رهف
فتاة فى الخامسة والعشرين من عمرها .. لها من اسمها نصيب .. فهى رقيقه صادقة المشاعر مرهفة الحس لأبعد الحدود
تنتمى لأسرة مكونة من أربعة أشخاص .. والداها ووالدتها و هى وشقيقها الأصغر 
ولكنها أسرة مفككة ..
فهما يعيشوا غرباء تحت سقف واحد
 والدها ووالدتها دائما ليس على وفاق .. فى شجار دائم
أحيانا الخلاف بينهم  لا يتجاوز سوى  الشكوى و الصوت العالى وتبادل الاتهامات
بأن تقول أمها أنها أضاعت سنوات عمرها مع انسان مجرد من المشاعر لم ترى معه يوما سعيدا ويرد عليها والدها بأنه ارتكب خطأ عندما تزوجها وأنه فقط يتحملها ويتحمل حياته معها من أجل أولادهم  وينتهى الأمر بمقاطعة بينهما
وأحيانا يصل الأمر أن أمها تنعت أباها بأبشع الألفاظ ويرد هو عليها بصفعات على وجهها وينتهى الأمر بطلب الطلاق وترك أمها المنزل لأيام أو أسابيع ثم تعود وتبدأ الخلافات مرة أخرى
وهكذا كان كثيرا ما يتشاجران محيلين حياتها هى  وشقيقها الأصغرالى جحيم لا يطاق

شقيقها يصغرها بسنوات قليلة ..  كان مولع بكرة القدم منذ صغره وكان حلمه أن يصبح لاعبا مشهورا .. لم يكترث أبواهما لهوايته أو تشجيعه .. لم يجد منهم الا الصراخ فى وجهه واتهامه بالاستهتار وتضييع مستقبله ووقته في امور غير ذات فائدة

ولكن شقيقها  لم يتأثر وتمسك بهوايته ..  اشترك فى نادى ليمارس هوايته ويقوى مهارته حتى يحقق حلمه و يصبح من أفضل لاعبي كرة القدم في العالم ..  وعندما التقطه أعين أحد المدربين المهتمين  وطلب منه الانضمام الى الفريق .. لم يوافق والده .. رفض  رفضا قاطعا دون نقاش

ضاع حلمه .. وتحول الى  شخصية مستهترة متمردة .. يرتكب الكثير من الحماقات والتصرفات الطائشة غير مبالى بغضب والده الذى أصبح دائم المشاكل معه ..
فشقيقها يرى أن والده السبب فى فقدانه حلمه بتحكماته وأوامره الغير مبررة  .. ووالده يرى أن  يفهم أكثر منه و يخاف عليه ويريد له الأفضل ..  لذلك فضل شقيقها  أن يهرب من جحيم البيت الذى لا يوجد فيه سوى اليأس والمتاعب والكأبة والمشاكل  التى لا تنتهى  .. الى أصدقائه وسهراته بعيدا عن رقابة والده ونظرات استنكاره


أما رهف فهى  شخصية صامتة تتسم بالهدوء .. لها عالمها الخاص الذى تعيش فيه مغلقة أبوابه على نفسها  اعتادت دائما أن تبقى صامتة تجاه أى مشكلة تحدث
وأن تتقبل الأوامر بدون نقاش حتى عندما أرادت أن تبحث عن عمل تشغل به وقتها وتقلل من وجودها بالمنزل الملىء بالمشاكل بعد تخرجها من كلية الأداب رفض والدها وقال لها ببساطة " البنت مسيرها للجواز "
وكعادتها استسلمت .. لم تعترض أو حتى تناقشه بحاجتها للعمل واثبات ذاتها 
  
ومع الوقت أصبحت انطوائية ..  منغلقة على نفسها .. وأكثر الوقت صامتة شاردة كأنها فى عالم أخر
تشعر بوحشة كبيرة لكونها وحيدة ولكنها أحبت وحدتها وعزلتها لأنها لم تجد الصداقة التى تستطيع انتزاعها من وحدتها
تمنت أن لو كان لها أخت تكبرها أو تصغرها بسنوات تأنس بها وتكون صديقتها .. تتحدث معها وتستمع لها وتستودعها أسرارها

وكم تمنت أن تكون أمها صديقة لها .. تستمع اليها بأذن منصتة وصدر حنون وعقل متفهم .. .. تحكى لها عما بداخلها .. فتحتويها وتقدم لها النصيحة  المشبعة بالحب والتفهم
ولكن أمها  تتعامل معها بمنطق " اكسر للبنت ضلع يطلع لها أربعة وعشرون " .. ودائما تتسائل رهف بصمت
لما تنسى أمها الناضجة ما مر بها وهى صغيرة .. أيام مراهقتها .. فلا تشعر بشعور أبنائها ؟؟

ولأن رهف  لم تجد فيمن حولها من أصدقائها أو أهلها من  يفهمها أو يحاول فهمها .. لذا هربت الى عالمها الذى تعشقه ..  ملاذها الأمن الذى لا ترتاح الا فيه .. عالم القراءة والكتابة .. العالم الذى يفهمها وتفهمه .. الذى تجد روحها و نفسها فيه

فهى تختلف كثيرا عن بنات جيلها  ..
منذ صغرها وهى تحب القراءة .. تجد متعة فكرية وروحية  أكبر بكثير مما تجده عندما تجالس صديقاتها .. لم تكن تحب تمضية الوقت معهم فى الثرثرة و المزاح المضحك
وكلما توغلت فى القراءة أكثر .. تتسع الفجوة بينها وبين أصدقائى وبين عائلتها وتزداد غرابة وانطواء وبعدا
فهم يروها كئيبة حد المرض ويخافوا أن تنتقل العدوى اليهم

وهكذا كانت متعة رهف الوحيدة أن تحمل كتاب وتغوص فى صفحاته ولا تشعر بشىء حتى تنتهى منه
وفى يوم من الأيام قرأت هذه الجملة
أكتب لأتداوى (إيزابيل الليندي) .. أعجبتها .. مست أعماقها  ولمست روحها
فبدأت تكتب ولا تدرى متى أصبحت تعشق الكتابة ؟؟
ولكنها عندما تفرح أو تحزن .. لا تشعر بنفسها الا وهى تمسك بالقلم وتدون عواطفها وأحاسيسها ومشاعرها
حتى أصبحت الكتابة عشقها وملاذها .. تهرب بها من واقعها المؤلم وتحلق فى عالم الخيال لتصل الى السلام النفسى الذى ترجوه
أصبحت الكتابة صديقتها المريحة التى تتفهمها وتعبر عنها
فى البداية كانت تدون لنفسها ..
فتعبر عما بداخلها .. عما يحدث حولها .. تكتب أحلامها وبعض مشاعرها التى تؤرقها  فتشعر بالراحة
وبعد ذلك تمنت أن تنشر ما كتبته .. أن تجعله يصل لقلوب من حولها لعلها  تجد ذاتها ويكون لها هدف فى عالم الكتابة
فبدأت فى تجميع كل ما كتبته فى كتاب وذهبت بسعادة لتخبر والدها ووالدتها  عن ما تفكر به  .. عن وليدها الأول  وحلمها الذى تتمنى أن يتحقق ويخرج للنور
قالوا لها باستهزاء وسخرية  :
عن أى كتاب تتحدثين ؟؟ أهى دعابة منكِ؟ 
و لمن تكتبين ؟؟ أتظنين أن أحد سيقرأ هذه الكلمات التافهة ؟
فنحن لن نقرأ تلك التفاهات ولا نفهمها  ولا يوجد أحد سيقرأها  ..
 أتظنين نفسك احسان عبد القدوس ؟؟
والكثيييييييييير من الكلمات الجارحة التى انتهت بالأوامر التى دائما تتقبلها وتستجيب لها دون نقاش
كتاباتك لا قيمة لها فأتركى هذه الحماقات .. فنحن لايوجد لدينا مال لنضيعه على هذه التفاهات والحماقات

 ومن هنا بدأت رهف  رحلة التمرد .. التمرد على موهبتها .. على عشقها للكتابة
شعرت أن حلمها ليس له معنى بدون أن يدعمها ويشاركها أحد فى تحقيقها
ففقدت رغبتها فى تكملة الكتاب التى تود نشره .. وأصبحت الأوراق حولها  مبعثرة كأحلامها الممزقة
فكم تمنت أن تفرح بها أمها وأن يشجعها والدها ؟؟
فدائما كانت تتحرق شوقا أن يشاركها أحد اهتمامتها .. أن يطلب أحد منهم قراءة كلماتها .. أن يناقشوها .. ينتقدوها وينصحوها .. ويدعموها بمزيد من الثقة حتى تستمر فى هوايتها وتقويها لتصبح أفضل  فتخرج كلمات صادقة  من قلبها تصل لقلوب من حولها
ولكنها لم تجد غير الاستهزاء والسخرية

تمنت أن تصرخ بهم وتقول  
هذه كتاباتى .. أحلامى وان كانت سخيفة ضعيفة المعانى والكلمات
كل ما أكتب يحمل جزء منى .. من روحى .. من نفسى
ليس ذنبى أننى أحببت القراءة .. ليس ذنبى أن الكتابة عشقى .. ليس ذنبى أن طموحى وحلمى مجرد قلم وورقة

ولكنها لم تفعل .. صمتت كما كانت تفعل دائما .. فلا أحد سيهتم بما تقول أو تتمنى
واستجابت لهم حتى لا ترتكب ما يجلب لها الاستهزاء والسخرية ..
ودعت صديقتها المريحة فجمعت أوراقها المبعثرة ووضعتها هى وأحلامها فى حقيبة قديمة مهترئة وأغلقت عليها للأبد
تمردت على موهبتها .. لم تستجب لها رغم الحاحها الفظيع .. رغم احتياجها اليها .. رغم اشياقها اليها .. اشتياقها للبوح عما بداخلها
تمردت عليها لأنها
لم تكن جريئة حتى تثق فى الصوت المنبعث من داخلها بأنها تملك الموهبة التى ستجعلها تبدع فى هذا المجال و أن لا تهتم بأراء من حولها  .. أن تتجاهل سخريتهم ولا تلتفت لها .. أن تدافع عن حلمها وتسعى لتحقيقه 

وما فعلته فى النهاية أنها  أسدلت الستائر الداكنة على عالمها المفضل  .. وضاعت نفسها وسط أوراق حلمها الممزق .. وهربت الى عالم أخر .. عالم لم تكن تريده .. كانت تقاومه ولكنها استسلمت له

يتبع ...........

هناك 5 تعليقات:

  1. صباح الغاردينيا
    حين ننشئ في منزل تختنق فيه العاطفة وتموت العلاقة الحميمية بين الابناء ووالديهم
    تأكدي إما أن يولد مبدع لجأ لحلم يغادر به عن من حوله او يولد ضائع دمره ماحوله
    رهف حاولت لكنها وجدت الصدوأخوها حاول لكنه خسر
    ماأصعب أن يخنقون فينا أحلامنا !!"
    ؛؛
    ؛
    لروحك عبق الغاردينيا
    كانت هنا
    Reemaas

    ردحذف
    الردود
    1. فعلا ريماس
      شكرا على تعليقك الجميل اللى وضح الصورة وشرح الفكرة أكتر

      حذف
  2. جميله قصتك والسرد اعجبنى جدااا
    ابدعتى فى انتظار التكمله

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا هبة
      فرحت انها عجبتك
      يارب تعجبك للنهاية

      حذف
  3. انتي طبعا نشرتي الجزء التالت ولكن لأني ما كنتش قرأت الجزء ده قلت أبدأ بيه..
    ..
    بدأت أشفق على رهف و أخيها جدا، فالسجن وسط غرباء يحادثوك و تحادثهم قد يكون أفضل من العيش بحرية مزيفة في بيت مزيف مع هذين الأبوين !..فليس هناك ما تناله منهم الا الاحباط و التأنيب و هدم العزيمة و اخماد الروح..بدأت أرى رهف و أشعر بها تماما..سأنتقل الى الجزء الثالث..تحياتي

    ردحذف