الثلاثاء، 20 نوفمبر، 2012

كذبة التمرد الكبرى


نسير فى الحياة والكل يبحث عن طريق ( النجاة ) ..  البعض يتقدم ويخطو بخطوات بسيطة ولكنها منظمة مدروسة من أجل الوصول له ..  والبعض يتقدم  بخطوات سريعة عبثية مُضيعة للوقت والجهد والمقاومة فى الاستمرار .. وبين هؤلاء وأولئك آخرون  يسيرون بملامح وخطوات مطواعة مستسلمة للتيار ..

الكل يحاول المقاومة ومواصلة البحث عن نور الحقيقة للوصول الى طريق النجاة  .. والكل يدرك أن الخطوة التى نتقدمها  صعب محو آثارها من على رمل الطريق - طريق الحياة -   طريق غامض صعب وطويل .. والمسير فيه شاق ومُرهِق .. ففى كل خطوة نخطوها نجد حولنا
الكثير من الدوائر المفزعة المتشابكة الشائكة  .. دوائر  حزن ، ظلم ، قهر ، دمار ، وجع ،فساد ، موت ، بكاء ، دم ،.......... ، الكثير منها ..   كالمتاهة تلفنا من كل جانب .. لا نستطيع احصاء عددها أو مساحتها أو معرفة من المسئول عن ايجادها لتدور حولنا .. وتُكبلنا وتلقى فى قلوبنا الرعب  .. نحاول الهروب والخروج  منها و لا نستطيع.. نجدها أحكمت غلق منافذها علينا بداخلها  
ولكننا لا نستسلم .. فحِدة وعينا لكل ما يحدث حولنا يُرهِقنا ويُجبرنا على التنقيب عن نور الحقيقة والحق و العدل وسط الظلام .. فنسير والرؤية  مشوشة .. فالضوء المنبعث من نافذة بصيرتنا الضيقة ضعيف جداا .. لا يكفى لكشف الحقيقة بأكملها  .. نحتاج الى أكثر وأوضح من ذلك
فنحاول أن نحصى أضواء الطريق حولنا لعلها تساعدنا فنجد الكثيير منها مطفأة منذ زمن بعيد .. لا نعلم ما السبب .. ومن هو المسئول .. يقول أحدنا ( ربما كانت بفعل فاعل ) فيرد آخر ( ومن هو؟ ) وهكذا تفتك بعقولنا الأسئلة وتبعثرنا الاجابات ولا نستطيع فعل أو تغيير شىء سوى الدوران فى دائرة من النقاش والصراخ والاتهامات و التمرد
فيصرخ أحدنا ليسكتنا وينتزعنا من دائرة التمرد والنقاش التى بلا فائدة  .. فيقول : وجودنا فى تلك الدائرة لن يساعدنا على معرفة من هو الجانى .. ولا الخروج من تلك المتاهة المظلمة التى تمتلىء بالأشباح  التى تستغل غرقنا فى دائرة التمرد لتتكاثر و تزيد أكثر فى الظلام .. ثم تخطف الكثييير منا فى غمضة عين .. ونحن لسنا بقادرين على مواجهتها لأننا لا نراها .. ولسنا أيضا قادرين على تقليص مساحة تلك المتاهة التى تلفنا وتُكبلنا أو الحد من اتساعها .. فهى تتسع وتبتلع كل شىء وأى شىء أمامها  ولا تشبع .. ستعود لتطلب المزيد .. دائما ما تعود !!

ولكننا لن نستسلم .. لنبحث عن شعاع أخر ليضىء لنا ويساعدنا على الخروج من تلك المتاهة .. سأل الجميع بلهفة : ( وما هو ؟
أجابهم : شعاع الأمل المبتسم
فانقسمنا فرق

قالت فريق  وقد بلغ بهم اليأس حده الأقصى :
 لا فائدة .. اختفى الأمل من حياتنا .. لا أمل فى التغيير .. لا أمل فى الاصلاح .. لا أمل فى المستقبل .. لا أمل فى النجاة من تلك الظلمة والأشباح التى تحاوطنا .. لقد فقدنا الماضى و الحاضر والمستقبل وانتهى أمرنا   .. ومن سيبحث عن الأمل للخروج من تلك المتاهة اللعينة .. سيكون واهم .. يؤمن بالأساطير الخيالية التى يقرأها .. وعليه أن يخرج من دائرة الخيال التى يعيش بها ليرى العالم على حقيقته .. فالعالم الآن يتهتك حولنا أكثر فأكثر .. ونحن لا حيلة لنا أمام كل هذا الشر .. لنستسلم ونحاول أن نسير بدون مقاومة لعلنا نستطيع الحفاظ على ما تبقى لنا من آمان وسلام

فيرد عليهم فريق آخر : مازال شعاع الأمل لم ينطفىء بعد .. ولسنا واهمين  .. بل مقتنعون أنه يجب علينا هزم فقدان الأمل بداخلنا .. سنبحث عنه لينير لنا الطريق والظلمة من حولنا  ويجعلنا أكثر قوة فى مواجهة تلك الأشباح .. وربما تعود لنا بصيرتنا التى فقدناها فى طريق الحياة فنعرف من هو الجانى الذى يعبث بمستقبلنا ومستقبل أبنائنا وننزل به أشد العقاب
فيقاطعوهم(  فريق ثالث ) بغضب  وينعتوهم  بالجنون .. ويرد عليهم ( فريق رابع  ) وينعتوهم بالتشاؤم .. وهكذا غضب و اتهامات وصراعات وتمرد  فنعود مرة أخرى الى دائرة ( كذبة التمرد الكبرى



وفى النهاية  تفرقوا .. فظنوا أنهم نجحوا فى الخروج من تلك الدائرة - كذبة التمرد الكبرى -  وسيستخدم كل فريق طريقته للتخلص من المتاهة والاستمرار فى طريق الحياة
تجمع مجموعة منهم وكونوا فريق واحد فضلوا   بعد أن وقعوا فريسة لليأس والاحباط .. البقاء بأماكنهم  أو السير بدون مقاومة  .. فقد ظنوا أن القوة الغالبة فى العالم أصبحت قوة الشر .. وأقنعوا أنفسهم أن لا فائدة .. فالمستقبل انتهى قبل أن يحلموا به .. ومهما حاولوا لن يستطيعوا الفوز على تلك الأشباح التى لايستطيعوا رؤيتها  فى الظلام  .. فليس أمامهم سوى الاختباء والاستسلام والخضوع والتنازل وتجاهل كل الأذى والدمار الذى حدث فى الماضى القريب جدا .. ربما لا يريدوا نكأ الجراح واعادة الذكريات الأليمة مرة أخرى .. وربما تصوروا أن تقبلهم وجع ومرارة الحاضر  سيجنبهم ما هو أشد وجع و مرارة منها فى المستقبل

وتجمعت المجموعة الباقية وكونت فريق آخر قرر السير فى طريق الخطر بحثا عن نور الحقيقة والبصيرة والأمل والحق ..حتى وان فقدوا حياتهم فى سبيل ذلك

 وبالنزاع والفراق ضعفت قوتنا واتحادنا فى مواجهة الأشباح .. هدفنا كان واحد .. وهو البحث عن الحقيقة  .. وصنع الأمل .. واستعادة البصيرة والحق والعدل  .. للقضاء على كل الدوائر المفزعة التى تُكبلنا ومعالجة واقعنا وحاضرنا والقدرة على الحلم  بالمستقبل

ولكن الفريق الأول ظن أن  اغلاق كل الصفحات السابقة المؤلمة والاكتفاء بما تبقى والسعى لانقاذ ما يمكن انقاذه  تحت رعاية وبمساعدة الأشباح هو الطريق الى السلام .. وبالغوا فى أوهامهم .. فتصوروا أن حجم ما تنازلوا عنه سيكفي تلك الأشباح  لتتركنا نعيش فى سلام وهدوء
والفريق الآخر .. لم يوافق على الاستسلام أو التنازل أو تناسى وتجاهل ما حدث فى الماضى ولكنه لم يلتزم بتطبيق تلك البداية الصحيحة وخطواتها بدقة حتى النهاية .. لم ينظروا للماضى ويتعلموا من أخطائهم فيه ليتجنبوها فى الحاضر بل أعادوا نفس الأخطاء وبدأوا يدمروا أنفسهم  بالنزاع والصراع والنقاش والرجوع مرة أخرى الى دائرة التمرد الكبرى ففعلوا مثل الطبيب الذى وثق بنفسه الى حد الغرور .. عندما تعامل مع أمراض الحاضر باستخفاف .. ولم يلتفت بجدية ليعرف التاريخ الصحى لأمراض الماضى .. فربما وجد تشابه فى الأعراض .. وساعده هذا على  تفسير ما يعانيه حاضرنا المريض فيشخص المرض ويكتب روشتة علاج دقيقة .. ولكنهم تسرعوا وأخطأوا التشخيص وكتبوا دواء لم يشفى حاضرنا المريض .. وربما زاد حالته سوءا !!    ..

فى النهاية  النزاع والفراق جعل الطريق للوصول الى الحق والسلام  صعب وطويل .. والمسير فيه شاق بالغ العناء .. فالعقبات كثيرة .. كلما ننتهى من عقبة .. تظهر أخرى أشد صعوبة .. والمسافة لا تنتهى فى عالم من الضباب الغامض الذى تصعب معه الرؤية الصحيحة  .. ومازالت الدوائر تتسع لتبتلع الجميع .. والظلام يزيد والأشباح تتكاثر وتنتشر وتقترب أكثر ..وشعاع الأمل المبتسم .. لم يعد كذلك .. أصبح ضعيف حزين مهمل هزيل يبكى يختنق ينزوى أكثر وأكثر فى ركن من أركان الواقع القاسى!!

ونحن مازلنا نواصل بحثا عن النجاة ..
نواجه ونقاوم ونتمرد للخروج من تلك المتاهة اللعينة .. ولكن لا فائدة .. نفشل ..  فيدفعنا هذا الفشل الى  تمرد أكبر وأشمل .. الى التمرد على أنفسنا وعلى  كل شىء حولنا .. فنتخبط ببعضنا البعض   دون أن نستطيع تغيير أى شىء .. فقط  دوران فى دائرة من النقاش والصراخ و المرارة و الجهل والاتهامات  و محاكمات و الأدلة والدفاع والصراعات... ، ومرة بعد مرة تزيد جرعات الألم ويزداد النزيف ..  و الدوائر المؤلمة المفزعة  من حولنا مازالت تتسع .. تتسع وتظلم أكثر وأكثر .. ونحن مازلنا نهرب من كل شىء الى أى شىء .. من الدوائر المفزعة الى دوائر التمرد .. فيزداد وجعنا وتعمى بصيرتنا فنفقد أكثر وأكثر  ..  ورغم هذا ربما سنظل لا نعى النتيجة المؤلمة التى وصلنا اليها .. وسنعود لندور مرات عديدة فى دائرة كذبة تمردنا الكبرى بحثا عن الحقيقة والنجاة .. على الرغم أننا نمقتها بشدة .. لأنها فى كل مرة لا تُكسبنا غير مزيد من الحيرة والضياع والألم و..... ،  فنجهر بكرهنا العميق لها ..وفى نفس الوقت لا نتوقف عن الرجوع والدوران فيها ..  يبدو أن جرعات الوجع  كانت أكبر مما نحتمل فأفقدتنا بصيرتنا أو ربما  أدمنا الدوران بها  .. نتأفف من ضجيجها أحيانا ولكننا اعتادنا أغلب الأماكن والممرات والمقاعد والأركان فيها .. وهى أيضا  باتت تعرفنا من كثرة ترددنا عليها .. فأصبحنا نروقها وتروقنا .. حتى تعامينا عن سبيل الخلاص !!

أحقا يروقنا الدوران بتلك الدائرة .. أم أن الدوائر الأخرى أفزعتنا وآلمتنا كثييرا فهربنا منها لااراديا  الى دائرة كذبة تمردنا الكبرى  ؟
أحقا أدمنا الجلوس على مقاعدها والانزواء فى أركانها ونحن نرقب ونتابع بأنفاس متهدجة دوران وتيه الواصلين فيها بعدنا بشىء من الفضول والشغف لقصصهم الأليمة التى يخبؤها بين ملامح وجوهم .. ونتلذذ  بشرودهم وضياعهم مثلنا؟
أحقا أصبحنا نستعذب ألمنا وألم غيرنا ..أم أن كثرة الوجع والتمرد أفقدتنا الاحساس بكل شىء .. ؟

مازلنا نواصل بحثا عن النجاة
وتزداد الحرب ضراوة .. لسنا خائفين من الأشباح أو من تلك الدوائر التى ربما قريبا تبتلعنا نحن أيضا .. سنتحمل أقدارنا بشجاعة.ونلحق راضيين بمن سبقونا . ولكننا لم نعد قادرين على تحمل مشاهدة جثث الآبرياء تتساقط أمامنا وحولنا .. والأشباح تطلق قهقهات عالية مستفزة  لتعلن انتصارها علينا بعد كل روح تتسبب فى ازهاقها .. أرواح بريئة هى جمال الوجود .. هى كل ما تبقى  فى الحياة من جمال وبراءة ونقاء .. بآيادى آثمة تُقتل وتحرم من نعمة الحياة والوجود ..   ترحل عن دنيانا الكاذبة   ..  ويتركونا نعانى ونموت وجعا .. فعلى الرغم من أن المآسى الغير المعقولة حولنا أصبحت كثيرة وربما نكون قد  تعودنا عليها فاصبح – الغير المعقول – واقع نقنع أنفسنا أن نتناساه ونتعايش معه .. ولكن  رحيلهم سيظل فجيعة فى قلوبنا .. وجروح نازفة فى أجسادنا اعترفنا بذلك أو تناسايناه .. سنظل  نواجه الحقيقة التى نحاول أن نفر منها دوما بعد كل خطوة تقربنا منها .. حقيقة عجزنا عن فعل شىء يُحميهم من تلك الأشباح .. فنتخبط أكثر .. نرفض تقبل هذه الحقيقة .. نتمرد عليها .. وعلى كل شىء .. ويغمرنا شعور بالقهر المكتوم واحساس شديد بالغيظ والظلم .. فنصرخ .. نتصارع .. نلقى بالتهم .. ونتفرق أكثر ..  ونظل ندور فى كذبة التمرد الكبرى ، دون أن نقدر على تغيير أى شىء
والأشباح حولنا يدعموا و يساندوا بعضهم البعض  فيزدادوا قوة وانحطاط وتوحش أكثر.. ويزهقوا الكثير من أرواح شبابنا وأطفالنا
فتزداد جراح أجسادنا ألما ونزفا .. وياليت هذا النزيف يؤدى الى الموت .. لا ..  لن يتركنا  نرتاح بهذه السهولة  .. فهو ينزف باستمرار .. ليعلقنا بين الحياة والموت !!

ومازلنا نواصل البحث عن النجاة .. وفى كل  مرة نقع  فى دائرة أخرى من دوائر كذبة تمردنا الكبرى ..
ولكن ربما سيأتى قريبا اليوم الذى سنقوى فيه ونتحد ونواجه ونصمد حتى نحطم تلك الدائرة ونستطيع الخروج من تلك المتاهة اللعينة  ونقضى عليها لننجو  ونعالج حاضرنا ونبنى مستقبلنا ومستقبل أبنائنا
وربما نظل متفرقين تائهين ضائعين فى حروبنا ضد الأشباح  حتى تبتلعتنا تلك المتاهة فى دوائرها المتشابكة وممراتها اللامتناهية

ولكنها لن تكون نهاية الخير والحق والعدل   .. فالهزيمة لا تعنى نهاية الصراع .. سيبقى الأمل أن تولد من كل نهاية  محزنة بداية للوقوف مجددا  أقوى من ذى قبل




 يقول الكاتب
( رجاء النقاش)

المقياس السائد بين الناس جميعا هو أن الذى ينتصر فى الصراع هو الناجح بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف ، على حد التعبير الجامعى الشائع ، أما المهزوم فى الصراع فله منا قراءة الفاتحة على روحه ، والاشفاق عليه والانصراف بعد ذلك الى حياتنا العادية ... لكننا لو صبرنا على أنفسنا قليلا ، وتأملنا الأمور بشىء من الحكمة والتعقل فسوف نجد أن بعض الانتصار مهما يكن كبيرا هو دليل على تفاهة أصحابه وقلة شأنهم ، بينما تكون الهزيمة كريمة ومرفوعة الرأس ، وتكون هذه الهزيمة إعلانا قويا بأن الصراع مستمر ، وأن الحياة - بسبب هذه الهزيمة - قد أقسمت أمام ربها على أن تثأر وتنتقم
وببساطة قد يكون الانتصار هو الهزيمة الحقيقة ، وتكون الهزيمة هى انتصارا مؤجلا وقويا وقادما على الطريق




هناك 9 تعليقات:


  1. مسلم مصرى
    أسفة جدا
    اضطريت أمسح التدوينة وأكتبها بطريقة تانية .. وطبعا تعلقيك اتمسح مع التدوينة القديمة
    بس أنا قرأته
    شكرا جدااا على متابعتك وتعليقاتك الجميلة

    ردحذف
  2. صباح الغاردينيا ميرو
    يبقى تمردنا علو كل ظروف الحياة التي من شأنها
    أن تحبط الحلم والامل "
    ؛؛
    ؛
    مقال رائع وهادف
    ميرو وحشتيني :)
    لروحك عبق الغاردينيا
    كانت هنا
    Reemaaa

    ردحذف
    الردود
    1. صباح السعادة يا قمر
      تسلميلى يا ريماس
      وانتى وحشتينى أكتر :)

      حذف
  3. تدوينه جميلة

    والمدونة اجمل

    ردحذف
    الردود

    1. تسلمى يارب
      نورتى المدونة :)

      حذف
  4. التدوينة طويلة
    بس هي زي حياتنا الطويلة وطولة تفكيرنا وتمردنا
    هي صراع نفسي داخلي

    جميلة جدا التدوينة

    ردحذف
    الردود

    1. شكرا ريحاب
      نورتى المدونة :)

      حذف
  5. مقال رائع
    يا مروه
    بس طووووووووووووووووووويل
    يا بنتى
    قصريه شويه
    وكمان الخط صغير
    انا باكتب بالخط الكبير ومسافات كمان علشان املى البوست والتدوينه
    ههه
    يارب يبارك ليكى على اتقانك
    يارب
    ويخليكى هقراها بكاملها بس انا قرأت جزء منها
    وجميله يا مروه

    ردحذف
    الردود

    1. ياااااااه يا محمود
      الكل عرف خلاص انى رغاية

      تسلم ياارب
      نورت المدونة :)

      حذف