الجمعة، 6 يوليو، 2012

كسرت قيودى

كانت تجلس تنتظره وهى شاردة الفكر زائغة العينين منحنية الظهر متهدلة الأكتاف  تنظر الى حروف اسمه المنقوشة على دبلتها وتتذكر كلماته الأخيرة لها فى المرة الماضية


( لا أريد زوجتى .. من ستكون أم أطفالى .. فتاة مهزوزة.. ضعيفة الشخصية .. لا تستطيع حتى الانفراد بأبسط القرارات الخاصة والمتعلقة بها شخصياً )

منذ طفولتها وهى تمشى من نفس الطريق .. لا تعلم ان كان هو الطريق الصحيح أو لا .. ان  كانت تحبه أو لا  .. يناسبها أو لا .. ممتع أو لا ,  فهى لم تختار السير فيه .. لقد حُدد لها لتسير فيه
ترى حولها الكثير من الطرقات المبهرة .. ولكنها لا تجرؤ على ترك الطريق الذى حدد لها ..
أمامها الكثير من الخطوط الحمراء التى لا يمكن تجاوزها .. ليس مسموح لها بعبورها ولا يمكن التسامح معها اذا تركت طريقها وتجاوزت القوانين
أصبحت كالانسان الألى تتحرك بناء على التعليمات والأوامر ولا تستطيع الاعتراض
أصبحت حياتها .. أحلامها .. كل ما تتمناه بالحياة بيد غيرها .. كجهاز التلفاز تستطيع التحكم به وتغيير  قنواته عن طريق الريموت كنترول .. ولكن الريموت ليس بيديها هى .. بيد غيرها

 وهى أيضا  أدمنت استسلامها .. كعصفور مستسلم لسجنه داخل قفصه .. وأحيانا هو من يطارد قفصه ليحتمى به 
فدائما تشعر أنها مكبلة بقيود الخوف والتردد .. ليس لديها الجرئة لتخطو خطوة  بعيدا عن طريقها .. تشعر  أنها ان خطت خطوة واحدة وتجاوزت تلك الخطوط الحمراء  ستضيع ولا تستطيع العودة الى طريقها الذى حدد لها لتسير فيه لذا كانت دائما تلوذ وتحتمى به  حيث السكون والجمود والبعد عن المفاجأت التى لا تستطيع التصرف معها 

حتى أصبحت كما قال عنها فتاة مهزوزة ترتعش أطرافها ويتهدج صوتها وينقطع أنفاسها ويحمر وجهها اذا اضطرتها الظروف أن تخرج من عالمها .. أصبحت فتاة شديد الحساسية نحو الخطأ ونحو النقد أو التعرض للسخرية ..  دائما تهرع الى عالمها المنغلق  بحثا عن الأمان وايثارا للسلامة

أفاقت من غفوة شرودها على صوته يعتذر عن التأخير
جلس وأشار للجرسون ليأتى وطلب لها وله عصير وبدأ يثرثر دون أن يتوقف ..  كانت تسمتع اليه  وهى حائرة ضائعة شاردة فى عالم أخر  .. بداخلها الكثير من الصراعات التى لا تتوقف ولا تهدأ ..
وقع نظرها على مشهد جميل للطاولة التى بجانبهم عندما  كانت  تدور بعينيها الزائغتين فيمن حولها  كمحاولة منها للهروب من التفكير
كانت لأسرة صغيرة سعيدة .. أم وأب وطفلتين .. رأت بريق الحب يلمع فى عيونهم والبسمة لا تفارق وجوهم وهما يتعاونا فى اطعام طفلتيهما .. فشعرت كأن طيور الحب والسعادة تحلق مرفرفة فوقهم  مغردة بأجمل سيمفونية للمشاعر الدافئة والأحاسيس المرهفة
فابتسمت لسعادة تلك الأسرة الجميلة وأطرقت رأسها فى أسى وبدأت الكثير من الأسئلة تدور فى رأسها  .. تبحث عن الاجابات لتهدأ وترتاح

هل تحبه ؟؟
لم تسأل نفسها هذا السؤال من قبل .. فعالمها الذى حدد لها لتتجول به .. لا يعترف بشىء اسمه المشاعر
فعندما تقدم هو لخطبتها ..  أخبروها  أن هذا الشخص مناسب لها .. و أنها ستتزوجه
كعادتها لم تتعترض على شىء .. فأسرتها تضع قيوداً شديدة على التعبير عن المشاعر أو ما تتمناها هى .. يعتبروا  ذلك نوع من الوقاحة .. قالت لنفسها أنها ستخطب كما تخطب كل فتاة .. وتتزوج كما تتزوج كل امرأة
  فبدأت فى التدرب على دور الفتاة المخطوبة الفرحة كالكثير من الأدوار التى أتقنت تمثيلها  
فدائما لم يكن لها الحق أن تقبل أو ترفض .. لقد فرض عليها دون أن تختاره.. وهو أيضا لم يختارها لقد وضعتها الظروف أمامه
خطيبها شخص جيد ولكن
ان تزوجته هل ستكون حياتها مثل تلك الأسرة السعيدة .. أم أنها ستكون حياة جافة خالية من  عطر الحب ومن أى مشاعر دافئة  تزينها  ؟
لماذا قبلت وتمسكت بتمثيل دور الفتاة الفرحة بخطوبتها ؟؟
لماذا لم تقاوم .. لماذا لم تدافع عن حقها 
لماذا بهذه القيود والأغلال التى تطبق على أنفاسها وتكاد تخنقها ؟؟
لماذا اعتادت أن تتلقى الأوامر .. أن تعيش أحلام وقرارت غيرها ؟؟
أين أحلامها هى ؟؟ لم لا تعرف ماذا تريد ؟؟
لم سمحت لغيرها قتل شخصيتها قبل أن تتعرف عليها ؟؟
لماذا سمحت لهم قتل أحلامها قبل أن تولد  ؟؟

لمذا؟لماذا ؟ لماذا ؟

الكثيييير من الأسئلة  ولدت بداخلها صراع عنيف .. بين ضعفها وخوفها المسيطر عليها وبين  رغبتها ليكون لها أحلام تتمنى تحقيقها .. لتجد نفسها التى فقدتها  .. لتجعل لحياتها قيمة حقيقية وتلونها بالألوان التى تختارها هى

تنبهت على صوته .. مازال يتكلم ولا يشعر بشرودها وعدم وجودها معه

فشعرت  أن  بداخلها  شىء يأن  بصوت واهن  ..  يصارع ليخرج من تحت أنقاض نفسها المتعبة .. يتمرد على خوفها وضعفها واستسلامها ويحثها على أخذ قرار واحد فى حياتها  .. حتى وان كان ذلك القرار خاطىء .. سيكون قرارها .. ستتحمل النتيجة وتتعلم أن تتجنبه فى المستقبل

 حملت حقيبتها ونهضت من مكانها وبداخلها الكثير من المشاعر والأفكار المتضاربة ..  كان  مازال يتكلم
تفاجأ  .. وسألها الى أين ؟؟
ووضعت  أمامه الدبلة التى لم تختارها ولم تختار صاحبها وقالت له :
شكرا لأنك ساعدتنى أن أجد نفسى .. الأن الريموت بيدى أنا وليس بيد غيرى
 لقد ماتت الفتاة المهزوزة ضعيفة الشخصية التى لا تريدها أنت ولا أريدها أنا
لقد كسرت قيودى .. لن أطارد قفصى مرة أخرى .. سأواجه مخاوفى .. سأواجه الحياة ..  نعم سأتعثر بالكثير بالمفاجأت وربما سأقع ولكننى سأنهض .. ربما سأتألم وأصرخ باكية ولكننى سأتعلم

( ان متعة الخطأ فى اختيارك الحر .. تفوق سعادة الصواب فيما تم اختياره لك )
                                                                                          كريم الشاذلى  





أحيانا علينا أن نتمرد قليلا ..
 أن ننحرف عن الخط المستقم الذى خطه لنا غيرنا .. وأجبرنا على السير فيه
أن نرتكب أخطاء  حتى نجد ونتعلم الطريقة لتصحيحها

أن نتمرد على أنفسنا التى اعتادت على الاستسلام لكل شىء .. سواء أجببناه أولا .. يناسبنا أو لا .. صحيح أو لا .. ممتع أو لا .. حتى أصبحنا لا نعرف ما نريد وما نحب .. وسلبنا أنفسنا حرية التفكير وإتخاذ القرار

الأخطاء مؤلمة
لكنها الطريقة الوحيدة لمعرفة من نكون .. وماذا نريد وماهى قدراتنا على التحمل .. المواجهة .. واتخاذ القرار

 .....................................

حبيت أتعمق جوه كل واحد فيهم بعد لحظة التمرد وأوصف مشاعره ( يارب أكون قدرت )
استدارت وتركته فاغرا فاه من الدهشة ..  مذهولا مما قالته .. لم يصدق أنها هى نفسها تلك الفتاة التى وصفها بأنها مهزوزة وضعيفة
صحيح هو  من حثها على التمرد ولكنه لم يكن يتوقع أن ثورة تمردها ستطوله هو أيضا
هو لا يعلم أنه 
 لو كان نطق فقط بكلمة لتهدئها أو لتخوفها لكان استطاع أن يثنيها عن قرارها وأن يخمد ثورة تمردها فى نفس لحظة انفجارها

 لأنها على الرغم من  أنها ذهبت فرحة كانت لاتزال خائفة  من قرار تمردها الذى اتخذته .. وبداخلها الكثير من المشاعر والأفكار المتضاربة
لا تصدق أن لسانها تمرد وانطلق كالفرس الجامح ونطق بتلك الكلمات التى كانت بداخلها ولكنها كانت مكبلة بخوفها 
ولا تدرى كيف سيواجهوا أهلها تمردها .. وكيف هى ستواجهم وتواجه الحياة خارج عالمها المحدود ؟؟

هناك 17 تعليقًا:

  1. لا تعليق...
    ياليتنى كنت دبلتها..او حقيبتها..او أى شئ يمسها..فيوما ما ثورتها كانت لتصلنى

    ردحذف
  2. الانفجار أو الثورة او التمرد .. كلها نهايات طبيعية لمن يظنون انه لن يفعلها أبدا

    جميل يا مروة

    بالتوفيق دايما

    ردحذف
    الردود
    1. أكيد
      شكرا على متابعتك وتعليقك ويارب بالتوفيق لكل المسلمين

      حذف
  3. تحفه يا مروه
    اوقات بنحتاج دايماً لموقف مؤلم وربما يصدمنا عشان نفوق لواقعنا ونقدر نحدد طريقنا وحياتنا الجايه هتكون ماشيه ازاى

    تسلم ايدك :)

    ردحذف
    الردود
    1. تسلمى دينا
      فرحانة جدا بكلماتك وزيارتك

      حذف
  4. جميلة يا مروة .. ما شاء الله عليكي .. ازعم انك عندك قدرة لوصف أعمق وأعقد المشاعر بمنتهى البساطة و السهولة .. بكلمات سهلة ... المشاعر اللي انت وصفتيها اعتقد انها حقيقية جداً

    عشان كده وصفتيها بشكل رائع ...

    لكن في حاجه بقه ... يمكن النقله اللي حصلت في شخصيتها مش كانت مقنعة بالنسبالي ... يمكن كانت محتاجه شوية تدريج لحد ماتوصل للإنفجار ... لأن اكيد الحاجه مش بتتغير في ثواني

    اه ... وعجبتني الاقتباسات جداً

    ردحذف
    الردود
    1. عندك حق فى ملاحظتك
      حبيت أوصل انه كانت تراكمات جواها وانفجرت بالتدريج فى الوقت اللى كانت قاعدة معاه فيه لما حصل قدامها حاجات خلتها تواجه نفسها زى لما افتكرت كلامه ليها ولما شافت الأسرة السعيدة ولما لاحظت انه مش حاسس انها مش معاه وسرحانة بتفكر .. كل ده عمل جواها صراع فى لحظة خلاها انفجرت
      بس شكلى كده مش عرفت أوصفها صح

      شكرا جدا على ملاحظتك وزيارتك وكلماتك الجميلة

      حذف
  5. جميلة جدا قصتك
    و جميل اقتباساتك و توظيفها في النص
    رواعة بجد يا ميرو

    ردحذف
  6. جميله يا مروه
    قاصه مبدعه وبتوصلى الفكره بسلاسه ونعومه
    سعيده بمعرفتك يا ميرووو

    ردحذف
  7. د/ مصطفى
    شكرا على كلماتك وزيارتك

    هبة
    زيارتك وكلماتك فرحتنى جدا

    ردحذف
  8. أنا ضيفت جزء
    حبيت أتعمق جوه كل واحد فيهم بعد لحظة التمرد وأوصف مشاعره ( يارب أكون قدرت )
    بعد ملاحظة ( أ / محمد (انسان )

    مش عارفة اذا كنت هترجعوا تانى تقرأوه ولا لأ
    ياريت اللى يقرأه يقولى رأيه
    فرحتنى تعليقاتكم وكلماتكم جدا

    ردحذف
  9. مساء الغاردينيا ميرو
    ذلك المنظر لاسرة سعيدة لم يكن سبب إنفجارها بداخلها كبت للكثير من المشاعر لكن ذلك الاحساس كان من اوقد انفجارها لو كان سحب يدها وادفئها بحنان ربما لوجدته شخص تحتاجه "
    ؛؛
    ؛
    كم تخنقنا قيود المجتمع
    أبدعتِ وربي
    لروحك عبق الغاردينيا
    كانت هنا
    Reemaas

    ردحذف
    الردود
    1. مساء النور ريماس
      فعلا لأنها لسه كانت مترددة

      شكرا على متابعتك وصباحك ومساءك الجميل

      حذف
  10. انتظارنا لصدمة كي ترجعنا عن الطريق الذي مشيناه قد كون ثمنها فادح، ولكن بطلة قصتك لم تدفع ثمن فادح أبدا،ربما قضت سنوات من عمرها مسيرة من قبل والديها أو من هم حولها و لكنها استفاقت قبل أن ينتقل قيدها الى يد خطيبها بعد أن يصبح زوجها و هذا في حد ذاته شئ رائع..ربما تعقيبك على تعليق أ محمد هو نفس نظرتي و قراءتي للموقف، فالانسان ليس في حاجة لأن يتمرد بالتدريج ليثور،فأعظم ثورة هي التي تنبع من الوجدان في لحظة حسم لتنهي القضية لا التي ترقص على السلم بالقبول مرة و بالتمرد مرة، و الصراع فعلا كان موجود و بركان داخلها كان مشتعل بين ما تعيشه هي و بين ما ترى الناس حولها تعيشه، و ربما هذه الللحظة لو كانت مرت ما كانت ثارت للأبد..
    ..
    رائعة كعادتك يا اميرة..تحياتي

    ردحذف
    الردود
    1. دايما بستمتع بقراءة تعليقك
      شكرا على كلماتك الجميلة اللى شرحت فكرة القصة أكتر

      حذف
  11. بجد رائع وصفك واظنك نجحت بامتياز فى وصف مشاعرهم
    واتفق جدا مع كريم الشاذلى فى مقولته
    تحياتى لابداعك

    ردحذف