‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسلاميات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسلاميات. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 8 أغسطس 2012

رحمة الله (2 )

جددوا النية

ورد في الحديث عن رسول الله قوله:
(رب ذنب ادخل صاحبه الجنة)
قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله ؟
قال: لا يزال صاحبه تائبا فارا منه خائفا من ربه حتى يموت فيدخله الجنة.
يقول العارفون بالله: ان معصية تورث ذلا وافتقارا خير من طاعة اورثت عزا واستكبارا.

وقال الشيخ ابوالعباس المرسي: 
كل اساءه ادب تثمر ادبا فليست بإساءة ادب
وكان رضى الله عنه يكرم الناس على قدر رتبتهم عند الله, حتى انه ربما يدخل عليه مطيع فلا يبالي, وربما دخل عليه عاص فأكرمه, لأن ذلك الطائع اتى وهو متكبر بعمله ناظر لفعله مستحسن لنفسه, وذلك العاصي جاء منكسرا بمعصيته وذلته ومخالفته.

ورد عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صل الله عليه وسلم
قال:
(والذي نفسي بيده, لولا انكم تذنبون لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم).

لهذا الحد تصل رحمة الحق.

يقول تعالى:
(قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم)

وقد ورد في الحديث القدسي قوله تعالى:
(يا ابن آدم انك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا ابالي
يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك.
من لقيني بقراب الارض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة.

  نعم كل الذنوب يغفرها الله.. الا الشرك..
هو الذنب الوحيد الذي اقتضى عدله الا يغفره..

افتح اي سورة من سور القرآن تجدها مبدوءة ب
.(بسم الله الرحمن الرحيم)..
الاسمان مشتقان من الرحمة وهما من اسماء الله الحسنى.. والرحمة التامة هي اضفاء الخير على المحتاجين, والرحمة العامة هي التي تتناول المستحق وغير المستحق, ورحمة الله تبارك وتعالى تامة وعامة.. والرحمة في الانسان كمال في طبيعته يجعله يتأثر لرؤية الالم, ويرق قلبه له.
يقول الامام الغزالي ان الرحمة لا تخلو من رقة مؤلمة تعتري الرحيم فتحركه الى قضاء حاجة المحتاج
والرب تعالى منزه عن ذلك فلعلك تظن ان ذلك نقصان في معنى الرحمة.. فاعلم ان ذلك كمال وليس بنقصان.. ليست نقصانا في معنى الرحمة.
لان كمال الرحمة بكمال ثمرتها.. وما دامت حاجة المحتاج قد قضيت بكمالها فلا معنى لتألم الراحم وتفجعه.. وانما تألم الراحم لضعف نفسه ونقصانها ولا يزيد ضعفها في غرض المحتاج شيئاً بعد ان قضيت حاجته.. وانما هي كمال في معنى الرحمة.
لان الرحيم من رقة وتألم يكاد يقصد بفعله دفع الرقة والالم عن نفسه, فيكون قد نظر لنفسه وسعى في غرض نفسه وذلك ينقص من كمال معنى الرحمة.
كمال الرحمة ان يكون النظر الى المحتاج لاجله.. لا لأجل الاستراحة من الم الرقة.. لا يرحم هذه الرحمة السابغة غير الله.
(قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن اياما تدعو فله الاسماء الحسنى)

الرحمن الرحيم
هو الرحيم..
وهو الرحمن..
الرحمن معنى ابعد من الرحيم.. معنى يتجاوز حياة العباد معنى يتعلق بسعادة الدار الاخرة..
الرحمن هو العطوف على العباد بالايجاد أولا.. والهداية الى الايمان ثانيا.. والاسعاد في الآخرة ثالثاً.. والانعام بالنظر الى وجهه الكريم رابعاً.

روى البخاري عن ابي هريرة رضي الله عنه انه قال:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ان الله لما خلق الخلق كتب فوق عرشه 
"ان رحمتي تسبق غضبي".
اذن لا يكاد الانسان يبدأ احتراقه في ندم التوبة.. لا يكاد الانسان يبدأ سيره في طريق الاخلاص لله.. حتى ينطبق عليه قوله تعالى: 
(الا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً, فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات, وكان الله غفوراً رحيما) سورة الفرقان.
يقول العلماء ان هذه هي "ارجى" آية من آيات الرحمة في القرآن, فان الله عز وجل شأنه قد وعد التائب المصلح ان يبدل سيئاته القديمة حسنات وليس بعد هذه الرحمة مقام.
سئل احد العارفين عن الطريق الى رحمة الله فقال:
توحيد الله.
وقرأ قوله تعالى:  
(ان الله لا يغفر ان يشرك به, ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)

الله فى العقيدة الاسلامية
( أحمد بهجت )

الثلاثاء، 7 أغسطس 2012

رحمة الله (1)

الصحابة كانوا تجار نوايا .. يعنى إذا هم أحدهم بفعل إي شيء كان يعدد النوايا ويستحضرها في نفسه حتى يأخذ أكثر من أجر على العمل

تعالوا احنا كمان نعمل كده ، يعنى مثلا قبل ما نقرأ الموضوع ده ناخد نية بل مجموعة نوايا

(رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية )
يعنى مثلا تبقى نيتى ( أعرف ربى أكتر علشان أحبه أكتر ، أفهم دينى أكتر ولما أعرف وأفهم أكتر أحمد ربنا على نعمة الاسلام ، نستفيد من الفيس

ونعيش رمضان بشكل مختلف يقربنا من ربنا ، نستفيد بمعلومات جديدة ونزود ثقافتنا الدينية ونفيد غيرنا ونبقى مجتمعين على طاعة ذكر الله ، ان ربنا يكتبلنا بكل حرف بنقرأه حسنة ويرفع عننا سيئة ، ان ربنا يذكرنا عنده ويباهى بينا الملائكة ، ........ الخ )

قبل ما تقرأ اسال نفسك واكتبلنا انت نيتك ايه ؟


رحمة الله (1)

بحار الرحمة الالهية بلا ساحل.. ليس لها ابتداء وليس لها انتهاء.. هي بحار بلا قاع ولا قرار ولا شاطئ..
لا يأخذ منها الخلق الا بمقدار ما يأخذ الطفل من مياه المحيط في حفرة حفرها الى جوار الشاطئ.

تأمل صور الرحمة الانسانية على الارض :
رحمة الاباء بالابناء, ورحمة العاشقين بمن يحبون ورحمة الاخلاء بالاصدقاء, ورحمة الانسان بالحيوان, ورحمة الحيوان بالحيوان.
تأمل هذا كله خلال تعاقب الايام والعصور وتعاقب القرون والدهور, تصوره منذ خلق الله الارض الى ان يرث الارض.
هذه الرحمة الهائلة كلها جزء من مئة جزء خلقه الله, واحتفظ لنفسه بتسعة وتسعين جزءاً وانزل في الارض جزءاً.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جعل الله الرحمة مئة جزء فأنزل في الارض جزءا واحدا, فمن هذا الجزء تتراحم الخلائق, حتى لترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية ان تصيبه)

لا حدود لرحمة الله عز وجل.
ومن الخطأ ان تقاس عليها الرحمة البشرية او تقارن بها.
ر حمة الانسان سجينة في حدود طاقته المحدودة, وهي مقيدة على قدر عطائه الذي ينفذ, وهي لا تسع الا قدر ما يسعه احتمال عقله وعطاء قلبه, وهي مثل الاناء ان امتلأ فاض ولم يعد يقبل المزيد.
وما اسرع ملل الرحمة الانسانية.
اما الرحمة عند الله فأفق اعلى من ان يستشرف وعمق بلاقاع, وهو سبحانه الذي وسع كل شيء رحمة وعلما.
يصلي له الملائكة بقولهم: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما, فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم)
ويقول عز وجل في صفة رحمته: (ورحمتي وسعت كل شيء )

عن رحمة الله تعالى بالانسان طوال خطوات حياته.. 
يقول المحاسبي في كتابه "الرعاية لحقوق الله":

تعرف الله إليك قبل أن تولد فعرفته, وتجلى بنعمه عليك فشهدته, وألهمك الإقرار بربوبيته فوحدته, ثم إنه جعلك نطفة مستودعة في الأصلاب, فتولاك بتدبيره هناك حافظا لك ومحافظا عليك, موصلا لك المدد بلطفه وكرمه من الآباء الى أبيهم آدم, ثم قذفك في رحم الأم فتولاك برحمة التدبير, وجعل الرحم لك أرضا يكون فيها نباتك, ومستودعا تنشأ فيه حياتك, ثم جمع بين النطفتين وألف بينهما, فكنت ترجمة لسر الازدواج الذي انبنى عليه الوجود كله, ثم جعلك بعد النطفة علقة مهيأة لما يريد سبحانه أن ينقله إليك, ثم بعد العلقة مضغة, ثم فتق سبحانه في المضغة صورتك وأقام فيها بنيتك, ثم نفخ فيك الروح بعد ذلك, ثم غذاك بدم الأم في رحم الأم, فأجرى عليك رزقه من قبل أن يخرجك الى الوجود, ثم أبقاك في رحم الأم شهورا حتى قويت أعضاؤك, واشتدت أركانك ليهيئك الى البروز الى ما قسم لك أو عليك وليبرزك الى دار, يتعرف فيها بفضله وعدله ورحمته إليك, ثم أنزلك الى الأرض, فعلم سبحانه أنك لا تستطيع تناول الطعام الخشن, وليس لك أسنان تستعين بها على ما تأكله, فأجرى الثديين بالغذاء اللطيف. ووكل بهما منبع الرحمة التي في قلب الأم, فكلما وقف اللبن عن البروز استحثته الرحمة, التي جعلها لك في الأم منبعا لا يفتر, ثم إنه شغل الأم والأب, بتحصيل مصالحك والرأفة عليك والرحمة لك والمودة.. وما هذا كله إلا رحمته -هو- ساقها للعباد في مظاهر الآباء والأمهات تعريفا بالوداد, وفي حقيقة الأمر ما كفلتك إلا ربوبيته ولا حضنتك إلا ألوهيته, ثم إنه ألزم الأب القيام بك الى أن تبلغ, وأوجب عليه ذلك رأفة منه بك, ثم رفع التكليف عنك الى أن يكتمل فهمك, ثم إنه مضى يتعرف إليك برحمته, الى أن صرت كهلا لم يقطع عنك نوالا ولا فضلا, ثم إذا انتهيت الى الشيخوخة, ثم إذا أقامك بين يديه ثم إذا سلمك من عقابه, ثم إذا أدخلك دار ثوابه ثم إذا كشف عنك وجود حجابه, وأجلسك مجالس أوليائه وأحبابه.


قل لي: 
لأي احسانه تشكر.. ولأي اياديه تذكر، وانت لم تخرج عن احسانه ولم تدعك رحمته وفضله وامتنانه.
أتسأل عن احسانه وجحودك ؟
أتسأل عن اكرامه وذنوبك ؟
اتسأل عن لطفه وخطيئتك ؟
لا تيأس من رحمة الله..


الله فى العقيدة الاسلامية
( أحمد بهجت )

أحدية الله


على عهد رسول الله صل الله عليه وسلم نظر المشركون إلى أمر الألوهية بعقولهم البشرية القاصرة، وقاسوا وجودها المطلق على وجود الإنسان المحدود .. وتوهموا أن لله نسبا كما للإنسان نسبا ..

فعن أبي كعب أن المشركين قالوا للنبي صل الله عليه وسلم :
انسب لنا ربك..
فنزلت سورة الإخلاص ..
السورة من أقصر سور القران..
عدد آياتها أربع.. وعدد كلماتها 15.. ورغم أن القران كله لا يضم سورة أقصر منها غير

سورة الكوتر.. رغم هذا كله قالصل الله عليه وسلم
إن هذه السورة تعدل ثلث القران.. وسر ذلك يسير..

إن سورة الإخلاص تضع قواعد التوحيد الأساسية بآياتها الأربع، وتبين أصول التصور الإسلامي في حق الله عز وجل، وتنزهه عن مشابهة خلقه، وتبين تعاليه عن القوانين الحاكمة لهؤلاء الخلق..

تبدأ السورة بكلمة من حرفين
” قل”
هذا أمر موجه من رب العالمين إلى رسوله صل الله عليه وسلم
ومن بعد الرسول يستمر الأمر بعدها إلى كل إنسان.. قل لمن سألك أن تنسب ربك
” قل هو الله أحد. الله الصمد.لم يلد ولم يولد.ولم يكن له كفوا أحد”

قل هو الله أحد

ينفرد الله سبحانه وتعالى بأحديته في الوجود والحكم انفرادا لا مثيل له في انفراد أحد بالوجود والحكم..
هو الموجود الأحد.. هو الخالق الأحد، وهو المالك الأحد، وهو المدبّر الأحد.. الأحد بمعنى الواحد والأول، لا ثان معه سبحانه، ولا معقب على حكمه سبحانه، ولا شريك له في ملكه، ولا مثيل له في تدبيره وانفراده، ولا كفؤ له في جلاله وبهائه، ولا نظير لكبريائه و تعاليه..

قل هو الله أحد..
هذه هي الكلّية في توحيد الله. لم تقل الآية الكريمة أن الله واحد..
أشارت إلى انه واحد وتجاوزت ذلك إلى تخصيصه بأنه الأحد.

والواحد هو الذي لم يزل قبل الخلائق متوحدا بالأزل، لا ثان معه ولا خلق..
ثم أبدع الخلق فكان الخلق ثانيا، وخلق الخلق كله، محتاجا بعضه إلى بعض، ممسكا بعضه بعضا..
واستغنى عز وجل عن الخلائق فلم يحتج إلى شيء،إنما هو السابق الأول الذي كان قبل كل شيء.
والواحد من العدد في الحساب ليس قبله شيء ؛
والأحد أكمل من الواحد
لو قلت: فلان لا يقوم له واحد، جاز في المعنى أن يقوم له اثنان أو ثلاثة أو أكثر..
وإذا قلت: فلان لا يقوم له أحد، فقد قطعت أنه لا يقوم له أي عدد مهما زاد، فصار الأحد أكمل من الواحد.

والأحد تمنع من الدخول في الحساب كالضرب والطرح والقسمة و الجمع وغير ذلك،أما الواحد فداخل في الحساب منقاد للعدد

الله الصمد..

الصمد صفة من صفاته عز وجل..وهي تعني السيد الذي لا سيد معه، وهي تعني السيد المتناهي في السيادة، وهي تعني صاحب السؤدد، وهي تعني السيد المقصود في حوائج الخلق..وهي تعني السيد المطلق الذي بيده ملكوت العطاء كله..
والفرق بين سيادة الخلائق وسؤدد الله عز وجل أن الخلائق تعطي مما أعطاها الله، وينفد عطاِؤها عند حد معين،
أما الصمد سبحانه وتعالى فيعطي من خزائن العطاء التي لا تنضب.
ورد في الحديث القدسي قوله تعالى:
” يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئا”.

لم يلد ولم يولد

تعالى على أن يلد.. وتعالى على أن يولد.. لأنه ما من شيء يولد إلا وسيموت.. والله تبارك تعالى على هذا كله..
يقول الله تعالى للإنسان إنك تولد وتلد.. وتموت وتورث.. وكل شيء في الكون يخضع لدورة الميلاد و النمو والانحلال والموت.. وهذا كله جائز في حق بشر والخلائق..
أما خالق البشر والخلائق فلم يلد ولم يولد.. وجود الله قديم قديم.. يمتد في الأزل من قبل أن يخلق الأزل.. يمتد في الزمان من قبل أن يخلق الزمان.. يهيمن على المكان من قبل أن يخلق المكان..لا وجود قبله سبحانه غيره سبحانه.
كان الله قبل أن يوجد القبل والبعد والزمان والكون.. هو الأول.. وهو الآخر.. خرج الوجود بكلمة منه سبحانه.. وسيذوب الوجود بكلمة منه سبحانه.. ثم يعيد بعث الوجود بكلمة منه سبحانه..

أحيانا يفكر العقل الإنساني في هذا الأزل الغامض الذي كان قبل أن يوجد الكون.. أحيانا يفكر العقل بالدهشة في الله قبل خلقه للكون : كيف كان سبحانه.. ماذا كان يدبر سبحانه.. ؟
لن يعود العقل من سياحته بغير مزيد من التحير والدهشة..لا جواب على هذه الأسئلة ولا أمثالها..

ولم يكن له كفوا أحد

بعد أن تحدثت السورة عن أحديته وصمديته وتعاليه على قوانين البشر الذين يلدون ويولدون..
توجت السورة هذا كله بالقاعدة الأم من قواعد التوحيد..
” ولم يكن له كفوا أحد”..
تنفي الآية عن الله وجود كفء له.. لا أحد كفؤ له.. لا أحد.. مثلما بدأت الجملة الأولى تقول: “هو الله أحد”.. انتهت الجملة الأخيرة بقولها: “ولم يكن له كفوا احد”..

( ليس كمثله شيء وهو السميع العليم )

سبحانه وتعالى على الشبيه أو النظير أو المعادل..
سبحانه وتعالى على كل شيء..
الوجود كله بملائكته ونجومه وأكوانه وأراضيه وسماواته عبد..
كل شيء في الوجود عبد.. سر شرفه كامن في ذل عبوديته..

الله فى العقيدة الاسلامية
( أحمد بهجت )

الاثنين، 6 أغسطس 2012

القدر والقدر ( 6)


إن الإيمان بالله يشبه جبلا يصعده المرء.. وقمة الإيمان هو الإسلام كما كانه سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم..
و لقد كان النبي صلى الله عليه و سلم مع الله بلا إرادة.. بتحديد أكثر.. كانت إرادته هي إرادة الله.. وكان إذا رمى كشف له الله عن حقيقة ماحدث (ومارميت إذ رميت ولكن الله رمى) سورة الأنفال من الآية 17.
اختار سيد الخلق أن تذوب إرادته في مشيئة الله.. وصار يتحرك بالله ، وي

سكن في الله ، ويحب
في الله ، ويكره في الله.. "بمعنى يكره ماأراد الله كراهيته".. صار الله هو السبب وراء كل مايفعل أو يدع.. صار عبدا ربانيا يكمن شرفه العظيم في قول الله عنه : (سبحان الذي أسرى بعبده) سورة الإسراء من الآية 1.
لم يقل ربنا سبحان الذي أسرى برسوله ، أو أسرى بنبيه.. لم يستخدم الحق عز وجل صفة النبوة ولا صفة الرسالة ، إنما ذكر أعلى الصفات و أشرفها... صفة العبودية..
في هذه الصفة يقف الحب على عرشه ويتحكم في نبضات القلوب وأحلام العقل وحركة الجوارح..
لو نظرنا في قصص الأنبياء فسوف نرى أنهم كانوا جميعا مسيرين.. اختاروا أن يكونوا مجبرين.. وهذا الجبر هو عين الحرية لأن الحرية الحقيقية تعني الخروج من كل سلطان غير سلطان الله.
وهذه هي العبودية الحقيقية لله..

إن ابراهيم عليه السلام كان يحب ولده اسماعيل فقد رزقه على كبر ، وكان الابن كريما ومن الصالحين ، ورغم ذلك فقد ارقده يوما على الأرض ورفع يده بالسكين وهم أن يهبط بها على عنقه.
لقد رأى في المنام أنه يذبحه.. ورؤيا الأنبياء أمر من الله.. وأمر الله حق..
ولقد كانت رؤيا ابراهيم امتحانا شديدا وبلاء عظيما. تأمل تعبير النص القرآني : (إن هذا لهو البلاء المبين) سورة الصافات آية 106.
كان الله تبارك وتعالى يخرج كل حب غير حبه من قلب ابراهيم.
كان يمتحن عبده ويعلمه الدرس النهائي والقيمة العليا في حياة الإنسان.. كان يعلمه حب الله عز وجل.. وحين أخرج ابراهيم كل ماسوى الله من قلبه..
حين أخرج ابنه من قلبه..
حين استسلم للقضاء والقدر وأطاع المشيئة الالهية..
عندها وقعت المعجزة وتغير القضاء والقدر بأمر الله وعلمه السابق ورحمته العليا..
(وفديناه بذبح عظيم) سورة الصافات آية 107.
يفهم من هذا أن ابراهيم كان مع الله بلا إرادة.. كان مجبرا باختياره..
كانت إرادة الله هي إرادته..
ولهذا استحق أن يقول الله عنه في كتابه الكريم :
(واتخذ الله ابراهيم خليلا) سورة النساء آية 125.
قال العلماء أن الخلة هي شدة المحبة..
و إذن.. فقد اتخذ الله ابراهيم حبيبا.. وكان ذلك حين أخرج ابراهيم من قلبه السوى.. والغير..
كل ماسوى الله أو غيره..
كان هذا موقف ابراهيم.. اختار الجبر.. فكرمه اختياره..

وعلى النقيض كان موقف يونس.. اختار يوما بغير رجوع إلى الله ، خرج يوما من الجبر باختياره..
(وذا النون إذ ذهب مغاضبا) سورة الأنبياء الآية87.
لم يستسلم للبقاء مع قومه وخرج غاضبا عليهم وقرر هجرهم..
كان يونس يستخدم حريته وإرادته ساعتئذ.. نسي أنه نبي وليس له أن يختار..
ومثلما كان ثواب ابراهيم جليلا كان عقاب يونس رهيبا..
عوقب على خروجه من الجبر بسجنه في جوف الحوت.. وجرى الحوت في جوف البحر ، وأطبقت ظلمات ثلاث.. ظلمة الليل والندم ، وظلمة قاع البحر ، وظلمة جوف الحوت..
ولولا تسبيحه ماانفتحت أبواب سجنه.. (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) سورة الأنبياء من الآية 87.
وخرج يونس من سجن الاختيار وعاد إلى طلاقة الإرادة الإلهية..
ومثل بقية الأنبياء يختار الشهداء والأولياء الجبر..

يقول محمد إقبال "أن جبر خالد بن الوليد أحدث انقلابا في العالم.. أما الجبر بالنسبة لنا فقد اقتلعنا من جذورنا"
هذا البيت الشعري يمثل المستوى الرفيع في فهم قضية القضاء والقدر..
لقد فهم خالد بن الوليد القضاء والقدر فهما عميقا تأسى فيه بالأنبياء.
ولهذا أحدث انقلابا في العالم.. لقد صار خالد سيفا من سيوف الله في الأرض.. اختار أن يصير أداة في يد القدرة ، ومجاهدا في الله ، اختار أن يقاتل أعظم القتال في سبيل العقيدة ، وآذى مشاعره وهو يموت على فراشه كما يموت البعير..
وكانت إشارته للجروح في جسده إشارة جليلة إلى جرح روحه لأنه وهو سيف الله.. لم يلق نحبه في معركة..
كان خالد بن الوليد حرا تمام الحرية..
كان خالد حرا إلى الحد الذي فنيت فيه حريته في إرادة الخالق ومشيئته ، ولهذا كان جبر خالد بن الوليد هو جبر الأقوياء..
جبر رجل يعرف أن الله هو (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) سورة الملك آية2.
جبر رجل أحب الله قبل أن يحب الحياة..
رجل أحب الموت فوهبت له الحياة..
.....................
.....................
أما جبرنا نحن ..
أما نظرتنا المعاصرة للقضاء والقدر فقد اقتلعتنا من جذورنا.
جبر المسلمين اليوم استسلام للحياة لا استسلام لله..
استسلام لحب الحياة لا لحب الله.
وعلى عكس أيام خالد بن الوليد.. تركنا القتال خوفا من الموت.. فعرفنا الموت ونحن أحياء.. وبدلا من أن تصير الأمة الإسلامية سيفا من سيوف الله في الأرض.. صارت تضع أخطاءها على القدر وتحمله تبعة ماهي فيه من مأساة..
وعاد السؤال القديم يبرز من جديد..
هل نحن أحرار أم مجبرون؟
إن إجابة السؤال تدخل بنا مياه البحار الغريقة للسياسة..
نحن مجبرون للهوى وللأنظمة الداخلية والتقاليد الجاهلية والفلسفات الخارجية ، نحن مجبرون لقوى بشرية لاتؤمن بالله ولسنا مجبرين لله..
ولهذا لم نعرف بعد الحرية..
إن المفهوم الحقيقي لعقيدة القضاء و القدر في الإسلام ، يجعل هدف المسلم أن يوظف حريته لتصير عبودية لله.. عندئذ فقط يستطيع أن يحصل على حريته الحقيقية.. وعندئذ يستطيع أن يصير صفحات مضيئة في كتاب القضاء و القدر.. بدلا من هذه الصفحات السوداء التي نكتبها ونقول :
"كتبت علينا منذ الأزل"..
بينما القلم في أيدينا.. و المداد لم يجف بعد

الله فى العقيدة الاسلامية
( أحمد بهجت )

الأحد، 5 أغسطس 2012

القضاء والقدر (5 )


نوار العقل وحدها لاتستطيع اكتناه سر القضاء و القدر..
نحتاج هنا إلى أنوار من لون آخر.. أنوار ليست مادية..
إن القضاء و القدر يصدران من الله.. كما يتصلان بالانسان..
ماصدر من الله تعالى لاتصلح أنوار العقل وحدها لاكتشافه.
أما الجزء المتصل بالانسان فللعقل أن يعمل فيه و يكتشف ويحاول الفهم..
وغاية العقل أن يفهم و يعرف..
وليس الفهم وحده هو المطلوب من المسلم.. كما أن المعرفة العقلية ليس

ت بمفردها هي الغرض النهائي لوجود المسلم..
ثمة آفاق وراء آفاق الفهم والمعرفة..
ثمة مستويات أخرى تعلو على الفهم المجرد أو المعرفة العقلية..
نتحدث عن الحب..
بغير الحب يصعب علينا تفسير القضاء و القدر..
وبغير الحب يصير القضاء والقدر لغزا لاأمل في حله
ان العقل يمكن أن يتساءل أسئلة محيرة.. وهذه مهمة العقل و وظيفته..
غير أن العقل وحده.. بأنواره المحدودة.. لايصلح لغير الحياة على الأرض، وتقدمه في مجال يتصل بحكمة الله تعالى –كالقضاء والقدر- لايؤدي إلى نتيجة نهائية.. إنما يصلح العقل لاستكشاف الطريق، أو يصلح لتصويب الاتجاه في البداية..
يقول جلال الدين الرومي :
"إن العقل في بداية الأمر يكون أستاذا للمرء.. ولكنه بعد ذلك يصبح تلميذا له"
ومتى أصبح العقل تلميذا تقدم الحب و جلس على عرشه..
وإذا كان شأن العقل أن يبحث ويسأل ويتطلع ولايتوقف عن الأسئلة.. فإن شأن الحب هو الطاعة العذبة و الاستسلام المحض..
أو فلنقل أن شأن الحب هو اختيار إرادة المحبوب..

بدلا من أن نسأل "هل الإنسان مسير أم مخير ؟ "
تتحول القضية إلى سؤال آخر "كيف يصير الإنسان بلا إرادة أمام إرادة الله؟"
كيف يختار الإنسان أن يكون مجبورا مثل ريشة تلعب بها مياه البحر؟؟
كيف يتحول الإنسان فيصير هو البحر و الريشة و الرياح و التيار و الموج و الشاطئ؟؟
إن هناك مستويات للنظر إلى عقيدة القضاء و القدر في الإسلام..
أولها أن يعلم الإنسان أنه حر و مسئول أمام الله.. وأن يعلم أن حريته تخضع لمشيئة الله المطلقة النافذة..
إن شاء سمح بالتقوى.. وإن شاء يسر الطريق للغواية.

لايسال لماذا شاء لموسى أن يكون موسى ، ولايسأل لماذا شاء لفرعون أن يصير فرعون.. لايسأل لماذا اختار محمدا رحمة للعالمين ، وترك أبا لهب نقمة على عصره.. لايسأل لماذا هدى إنسانا و أضل آخر. لايسأل عن شيء مما يفعل ، لأنه خالق الأشياء وصاحبها ومالكها والمتصرف فيها.. وهو قد أصدر أوامره الواحدة لموسى وفرعون ومحمد عليه الصلاة والسلام وأبي لهب.. أطاع موسى و عصى فرعون ، و ارتفع رسول الله و هبط أبو لهب.. و قبل هذا كله أخطأ آدم و أخطأ إبليس.. وتاب آدم و احتج إبليس بالقضاء و القدر..
(قال أنا خير منه..)
كانت كلمته كبرياء بحتا ، و عصيانا لأمر الله.. ايضا كان في كلماته ما يؤكد أنه يحتج على القضاء و القدر.
(قال فبما أغويتني..) أنه يسند الغواية إلى الله عز و جل ، ويحمل تبعة أخطائه على الخالق ، و هذا سوء أدب مع الله.. و إصرار على تحدي الخالق..
يختلف هذا الموقف عن موقف آدم.. فقد اعترف بظلمه وسأل المغفرة وتوسل إلى الرحمة.. (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين)

ولهذا قال العارفون بالله "اثنان أذنبا ذنبا ، إبليس و آدم ، أما آدم فتاب ، فتاب الله عليه و اختاره و هداه ، و أما إبليس فأصر و احتج بالقدر ، فمن تاب من ذنبه كان يشبه أباه آدم ، و من أصر واحتج بالقدر صار يشبه إبليس.."
حرية الإنسان موجودة وقائمة ولكنها تتحرك داخل إطار المشيئة الإلهية.
قال تعالى : 
(لمن شاء منكم أن يستقيم ، وماتشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين)
مشيئة الإنسان متوفرة و موجودة ومشيئة الله مهيمنة و حاكمة و محيطة..
هذا أول مستوى في النظر إلى القضاء و القدر..
وثمة مستوى آخر.. هو مستوى الحب.. مستوى اختيار الجبر

الله فى العقيدة الاسلامية
( أحمد بهجت )



القضاء والقدر (4 )

السبت، 4 أغسطس 2012

القضاء والقدر (3)


الانسان مخير أم مسير ؟


هذا السؤال لا يمكن الاجابة عنه نظريا .. ان الانسان ليس مخلوقا بهذه البساطة
بل هو مخلوق شديد التركيب والتعقيد والاعجاز .. ويتعرض لمواقف متعددة فى الحياة ، ويتعرض لتغير مستمر فى الحياة ، ولهذه المواقف التى يتعرض لها مستويات فى الشعور والفهم .. وللتغيير أيضا مستوياته .. أى هذه الواقف تريد أن نحدثك عن حرية الانسان فيها أو كونه مسيرا ؟

هناك معيار عام لهذه المسألة كلها ..


الانسان مخير فيما يحاسبه الله عليه ، وهو مسير فيما لا يحاسبه الله عليه
قال النبى ( آمنت بالله خيره وشره وحلوه ومره )
من دعاء النبى
( وقنى شر ما قضيت )
لا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا فى ترك أوامره واجتناب نواهيه ، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن الله ألزمنا الحجة بانزال الكتب وبعث الرسل
(لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل )
الله سبحانه ما أمر ونهى الا المستطيع للفعل والترك ، وأنه لم يجبر أحدا على معصيته ، ولا اضطره الى ترك طاعته
( لا يكلف نفي الا وسعها ) (فأتقوا الله ما استطعتم )
( اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم )
فدل على أن للعبد فعلا وكسبا يجزى على حسنه بالثواب ، وعلى سيئه بالعقاب .. وهذا كل واقع بقضاء الله وقدره

لم يستمر هذا الفهم النقى طويلا فى حياة المسلمين
ارتد الناس الى الايمان بأنهم مسيرون كالدمى فى مسرح العرائس ، ثم نشأت فكرة مناقضة .. تدعو الى اعتبار الانسان حرا كالإله .. خالقا مثله

فبعد أن كانت قضية القضاء والقدر عند المسلمين فى عصر النبى شجاعة قلبية كبرى ، واستشهادا فى سبيل الله ونشر الاسلام .. صارت مدعاة لتخاذل المسلمين أمام أعدائهم ، وزيادة بأسهم بينهم .. وعدم تحركهم لاحراز أى تقدم
واتهمت الحضارة الاسلامية بأنها حضارة قديمة .. لا مجال فيها لارادة الانسان ولا معنى لحريته
والتهمة باطلة اذا نظرنا الى أصل عقيدة القضاء والقدر فى الاسلام
وهى صحيحة اذا نظرنا لحال المسلمين السيئة

هل الانسان مخير أم مسير ؟
هل الانسان معدة أم قلب ؟
هل صنعت الطائرة من الحديد أم من النحاس ؟
ان منطق الأسئلة الثلاثة متشابه
منطق التبسيط الجائر
ليس الانسان معدة فحسب ، ولا قلبا فحسب ، ولا عقلا مجردا ، ولا جسدا دون روح ، ولا روحا دون جسد ، انما الانسان تركيب رائع التعقيد ، والعلاقات بين القلب والرئتين والعقل والروح وخلايا الجسد ونخاع العظام .. هذه العلاقات موضوع أكثر من علم كعلوم الطب والكيمياء الحيوية وعلم النفس والاجتماع
من الخطأ اذن أن نسال :
هل الانسان روح أم جسد .. هل هو قلب أم عقل ؟
لأنه خطأ لأنه ممعن فى السذاجة
وهو يشبه سؤال طفل لوالده : هل صنعت هذه الطائرة من الحديد أم النحاس ؟
لو قال الأب للطفل : ليست الطائرة مصنوعة من الحديد ولا من النحاس .. انها صنعت من السبائك ، وهو خلطة من معادن كثيرة يدخل فيها الحديد والنحاس والألومنيوم .. لوقال الب هذا لطفله وغضب الطفل لأن الجواب لم يأت بسيطا كالسؤال .. فليس هذا ذنب الاجابة
الذنب هو ذنب الطفولة
ذنب سذاجة الطفولة !

يقول الدكتور دراز : ( أن الانسان مخير معا ولكنه يقوم بهذي الدورين فى ميدانين مختلفين )
الانسان يجمع بين وصفين متناقضين فى علاقته بالكون :
انه سيد ومسود ، وحاكم ومحكوم ، ولكن فى ميدانين مختلفين
فهو فى عالم المادة والأحياء وعلم النفس لا يخرج عن أن يكون جزء من العمارة الكونية ، خاضعا لنواميسها وقوانينها
يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا, لا تنفذون إلا بسلطان

وللانسان ميدانا أعلى يملك فيه حريته ، ويبرز فيه سلطاته ، وتقرر فيه مسئوليته ، حيث تسلس له الطبيعة قيادها ، وتملكه زمامها ، وتمهد له سبلها المختلفة ينتقى منها وينتخب

الله فى العقيدة الاسلامية
(أحمد بهجت )

القضاء والقدر (2)


كانت فكر النبى والصحابة عن القضاء والقدر أن الله كتب كتاب الخلق قبل خلقه ورغم ذلك لم يتوقف أحدهم ليسأل :
اذا كان الله يعلم ما سأفعل .. فأين حريتى كانسان فيما أفعله ؟
هل الانسان مسير أم مخير .. هل حر أم مسلوب الارادة ؟
كانوا أحكم من ذلك وأرسخ فى دين الله ..
فهموا أن القضاء والقدر لا ينافى حرية الانسان ..
وأدركوا أن حرية الانسان لا تقف أمام طلاقة المشيئة الالهية ..
كان الانسجام ب

ينهم وبين الكون شيئا يثير الدهشة ..

قبل معركة القادسية ، بعث رستم قائد الجيش الفارسى الى سعد بن أبى وقاص رسولا يقول له ( ان رستم يقول لكم أرسلوا الينا رجلا نكلمه ويكلمنا )
فبعث قائد المسلمين ( سعد ربعى بن عامر )
ولما سأله رستم عن سبب مجيء المسلمين إلى الفرس
فقال لهم ( سعد ربعى بن عامر ) أن الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، أرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله
قال قائد الجيش الفارسى : وما موعود الله ؟
قال : الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقي

قال
( ان الله ابتعثنا ) فهو عبد مسير وليس له دخل فى ابتعاث الله له وخلقه اياه
وهو جندى حر ، مخير فى مجيئه الى هنا ، اختار بارادته أن يقاتل دفاعا عن عقيدة التوحيد .. غير أنه ينسب اختياره هنا الى الله تأدبا فيقول (والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ) هذ الجملة خير تفسير علمى لمعنى القضاء والقدر
ان الجندى المسلم ينسب الخير الى الله ، فاذا فعل شرا نسبه الى نفسه

يروى عن الرسول أن رجلا سأله : متى يرحم الله عباده ؟
قال : ما لم يعملوا المعاصى ثم يقولوا انها من الله
وسأله بعض الصحابة يوما : فلأى شىء نعمل ، وقد فرغ الأمر ؟!
قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له
بمعنى أن ما كتب على الانسان وعلم من أمره لا يخرجه عن أنه حر ميسر له سلوك الطريق الذى يريد ويختار

الله فى العقيدة الاسلامية
( أحمد بهجت )

الجمعة، 3 أغسطس 2012

القضاء والقدر (1)

الخميس، 2 أغسطس 2012

الجنة والنار

الأربعاء، 1 أغسطس 2012

الساعة والحساب


تقوم قيامة الانسان إذا مات
وتقوم قيامة الارض إذا جاءت الساعة
وقيام الساعة يعني نهاية الحياة البشرية ، ويعني نهاية الكون واختلال قوانينه الحاكمه، وانطفاء نجومه ومجراته وصيرورة كل شئ إلي الفناء

(يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين )

قيام الساعة غيب .. استأثر الله وحده بعلمه .. وسئل عنها رسول الله (صل الله عليه وسلم )
فنزل قوله تعالى


(يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

وقيام الساعة يعني وقوع الحساب
ويعني وقوع التفريق بين المؤمنين والكافرين
ويعني رد المظالم إلي الذين ظُلموا
ويعني التمييز بين المتقين والفجار
ويعني قبل هذا كله وبعده تنزه الخلق عن العبث والباطل وصيرورة كل شئ إلي منشئه وبارئه وعودة الخلائق إلي ربها ومولاها

(وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار )

وقيام الساعة يقترن بالحساب والله هو الذي يتولي حساب البشر وغيرهم من خلقه
وحساب الله تبارك وتعالى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، لا يفلت ذرة ولا أقل من الذرة ،
وثمة قاعدة أصيلة تحسم الحساب وتنبئك بدقته واحاطته : قوله تعالى أنه مع الخلق وينبئهم بما عملوا

(ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم )

سنري يوم القيامة أن الانسان كان خاضعا لرقابة رهيبه دون أن يحس، وسنري يوم القيامة أن أنكار المنكرين لا يجديهم ، وسنري أن محاولات الافلات لا تنفعهم
إن الارض تشهد عليهم
وصحف الملائكة تشهد عليهم
وكتب الاعمال المسجلة تشهد عليهم
حتي الارجل والالسنة والايدي تشهد عليهم
انتهي الامر وضاقت الحلقة حول الانسان وغيره من خلق الله

كيف تشهد الأرض على الناس ؟
قرأ رسول الله صل الله عليه وسلم قوله تعالى 
 (إذا زلزلت الأرض زلزالها...وأخرجت الأرض أثقالها...وقال الإنسان مالها...يومئذ تحدث أخبارها )
سأل صل الله عليه وسلم : أتدرون ما أخبارها .. ؟
قالوا : الله ورسوله أعلم
قال : فان أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها

كيف تشهد كتب الأعمال المسجلة على الانسان ؟

(وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا
اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا )


كيف تشهد الألسنة والأيدى والأرجل ؟

(يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون
ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون . )


إذا كان الشهود هكذا فكيف تكون دقة الحساب يوم القيامة؟
قوله تعالى
( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين )

(كفى بنا حاسبين )
أى ضمانات لدقة الحساب واحاطته وشموله يطلبها البشر بعد هذا ..
أى ضمانات للعدل والرحمة يطلبها البشر بعد هذا الضمان ؟

ليس بعد عدل الله ورحمته عدل

سُئل الامام علي رضي الله عنه:
يا أمير المؤمنين كيف يحاسب الله الناس كلهم في وقت واحد؟
قال: كما يرزقهم في وقت واحد

الله فى العقيدة الاسلامية
(أحمد بهجت )

الثلاثاء، 31 يوليو 2012

البعث

السبت، 28 يوليو 2012

كلمات الله

الجمعة، 27 يوليو 2012

جنود الله


على مستوى السطح ينقسم الخلق الى عباد لله , وأعداء لله
وفى العمق البعيد نرى كل مخلوق خلقه الله جنديا من جنود الله
حتى فرعون الذى حارب الله كان جنديا من جنود الله رغم أنفه .. وكان ينفذ باستخدام حريته وجحوده حكمة عليا , كان أداة قهر وفتنة ليرى الله من يستسلم لفرعون ومن يهتدى مع موسى

كل محلوقات الله جنود تتلقى الأوامر
وفى الجنود من يمتثل للأمر فيدخل فى رحمة الله .. ومن يعصى الأمر فيعرض نفسه للعقاب .. كالانسان والجن
ومنهم من ركبت طبيعته بحيث يطيع دائما .. كالملائكة
ومنهم من ركبت طبيعته بحيث يخرج من الرحمة ويعصى أبدا .. كالشياطين
ومنهم من يمضى وفق قوانين محكمة ثم تصدر له الأوامر أن يطيع قوانين المشيئة الالهية
ومثال ذلك البحر الذى انشق لموسى وأغرق فرعون
والرياح العنيفة التى دمرت قوم عاد

(انما اَمُرهُ اِذَا ارادَ شيئاً اَن يقولَ لهُ كُنْ فيكون - فسُبْحان الذي بيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ واليهِ تُرجعون )

ولا أحد يعرف عدد جنود الله الا الله
( وما يعلم جنود ربك الا هو )

وأشرف جنود الله وأكرمهم هم رسله من الملائكة ورسله من البشر
روى ابن عمر أن جبريل عليه السلام سأل النبى صل الله عليه وسلم
ماالايمان ؟
قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر والقدر خيره وشره
قال جبريل : صدقت
 


رسل الله من الملائكة
الملائكة ليست أجساد ظاهرة لنراها وبالتالى لا ينطق عليها ما ينطبق على الأجساد من ميلاد وحياة وشيخوخة وموت ولا طعام ولا نوم
هم أرواح خفية .. ورسل أولو أجنحة .. وليست أجنحتهم كأجنحة الطيور أو الطائرات .. انما هى غيب مثلهم ومثل عددهم
وللملائكة عملهم فى الملأ الأعلى ولهم عملهم فى الحياة الدنيا وقد شرفهم الله بالطاعة المطلقة وبصفاء لا تخدشه عكارة وبقوة لا حدود لها وبالقرب منه سبحانه وامضاء أوامره
ولا يقف عمل الملائكة مع الانسان عند حد تسجيل أعماله .. فى الملائكة من يتوفى أنفس الناس عند الموت .. وفى الملائكة من هو موكل بقبض الأرواح وفيهم من يبشر أصحاب النفوس الطيبة بالجنة ويتوعد النفوس الظالمة بالنار
طوال فترة حياة الانسان يصاحبه الملائكة عليهم السلام .. يدعون له ان كان مؤمنا .. ويؤمنون معه فى الصلاة ان كان مصليا .. ويشهدون قرأن الفجر ان كان يقيمه ويحضرون مجالس الذكر

سأل رسول الله صل الله عليه وسلم جبريل
ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟؟
( وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا )

رسل الله من البشر

أنبياء الله تعالي ورسله إلي البشر قسمان
نبي يبعثه الله إلي قومه لهدايتهم إلي الحق
ورسول يبعثه الله بكتاب إلي قومه لهدايتهم إلي الحق
هدف الانبياء والرسل واحد هو هداية الناس إلي الحق...وإذا كان الله هو الحق فإن هدف رسالات الرسل ودعوات الانبياء هو الدعوه إلي الله
لا فرق بين النبي والرسول إلا في الكتاب الذي يحمله الرسول إلي قومه

سر ارسال الانبياء والرسل
ارسال النبي رحمة
الله تعالي لو لم يرسل انبياءه ورسله لألزم الناس حجته لسببين:
الاول: اخذه العهد عليهم يوم خلق الخلق وهم ذرات في ظهر ابيهم آدم عليه السلام
الثاني: حديث الله الرحيم المستمر إلي الناس وآياته في الكون وفي أنفسهم ومعجزانه المدهشه في الافاق
محض كرم من الله ورحمته أنه ارسل انبياءه ، ومحض كرم من الله ورحمته أنه قضي القضاء الرحيم
" وما كنا معذبين حتي نبعث رسولا"

وثمة سبب أخر لبعث الرسل
تصحيح صورة الخلق عن الحق والرجوع بالانسان إلي منابع الايمان الاصيلة كلما زحزحته عنها ظروف الحياة أو بواعث الهوي أو ضغوط المصالح
وإذا كنا في العلوم البشرية لا نأخذ الا عن مصادر محترمة يعول عليها ، ففي عالم الغيب لا ينبغي أن نأخذ الا عن الرسل
هم وحدهم الذين يملكون حق التكلم عن الله
والسبب في ذلك هو الوحي
فمصدر علم الانبياء هو الوحي، ومصدر علم غيرهم هو العقل سواء كان هؤلا ء الغير فلاسفه او عباقره او اذكياء او حكماء
والعقل هو اداة للحياة في الارض، هو وسيلة اكتشاف للحياة البشرية
وتكليف العقل بالبحث في عالم الغيب يشبه سؤال الكبد عن المشهد التي تراه عين الانسان
من الظلم لعضو خلقه الله لشئ محدد أن نكلفه فوق طاقته ونحاول به بحث امر غير محدد

الله فى العقيدة الاسلامية
أحمد بهجت

الخميس، 26 يوليو 2012

شهادة الله


تحكم الظواهر الإنسانية جميعا قوانين النسبية و قوانين اختلاف مستويات النظر ..
ينظر الطفل إلى البحر فلا يرى منه غير سطحه الأزرق الواسع ..
و ينظر العاشق إلى البحر فلا يرى منه غير عرق أزرق ينبض في جبهة الحبيبة ..
و ينظر الصياد إلى البحر فلا يرى منه غير سمكة في شباكه ..
و ينظر العالم إلى البحر فيرى فيه عالما من المواد الكيميائية و المعادن الذاتية ..
و مثلما تختلف مستويات النظر إلى الشيء الواحد .. كذلك يختلف التدليل على وجود الله تبارك و تعالى ..
على أبسط المستويات يمكن أن يبدأ التدليل بهذه البداية
أنا أفكر إذن أنا موجود .. لم أوجد نفسي .. إذن أنا مخلوق .. كوني مخلوقا يقتضي أن يكون لي خالق

(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ )

يطلق علماء التوحيد على هذا الدليل اسم دليل الابداع أو دليل الوجود
ان وجود الانسان نفسه دليل على وجود الخالق
وليس هناك انسان يزعم أنه قد خلق نفسه

ان كل بحث فى الكون يقود الى اعجاز الله وعنايته
وكل بحث فى الانسان يقود الى اعجاز الله وعنايته

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)


-  كل شىء محكوم بالعناية الالهية

(لله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون
وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )


لو تأملنا حكمة تسخير الله البحر فسوف نلتقط أول اشارة لمعنى العناية الالهية .. ان الحياة تبدأ من الماء وبغير الماء تهلك الكائنات على الأرض .. وبسبب حرارة الشمس تتبخر المياه وتصنع السحب وبسبب كهرباء السحب تسقط الأمطار ولولا سقوط المطر لاستحال وجود الأنهار والبحيرات ولاستحالت الزراعة على الأرض




ولو أزيحت الأرض الى ضعف بعدها الحالى عن الشمس لنقصت كمية الحرارة التى تتلقاها من الشمس الى ربع كميتها الحالية وقطعت الأرض دورتها حول الشمس في وقت أطول وتضاعفت تبعا" لذلك طول فصل الشتاء وتجمدت الكائنات الحية على سطح الأرض
ولو نقصت المسافة بين الأرض والشمس الى نصف ماهي عليه الآن لبلغت الحرارة التي تتلقاها الأرض أربعة أمثال وتضاعفت سرعتها المدارية حول الشمس لآلت الفصول الى نصف طولها الحالي اذا كانت هنالك فصول مطلقة ولصارت الحياة على سطح الأرض غير ممكنة
فكل شىء على الأرض محسوب بدقة ومقدر بعناية
وهذا ما يعرفه علماء التوحيد باسم دليل العناية

- ومع دليل العناية يضيف علماء التوحيد دليل الحركة
كل شىء فى الكون يتحرك وان بدا شكله الخارجى ثابتا
ان الانسان النائم يبدو ثابتا فى المظهر فى حين يتحرك قلبه ويجرى دمه فى عروقه وتتحرك خلاياه
والجبل الثابت ليس ثابت فى الحقيقة , ان كل ذرة من ذراته تكشف عن عالم من الحركة حول نواة الذرة
والنجوم التى تبدو ثابتة فى السماء تتحرك هى أيضا وتدور حول نفسها وحول نجوم أكبر منها , وتسبح كل المدن النجمية فى الفراغ الكونى فلا تصطدم ولا تتداخل مدارتها
من هو المسئول عن حركة الكائنات ؟
من هو المسئول عن انضباط قوانين الحركة وانسجامها .. بحيث لا تصطدم الشمس بالقمر , ولا تقترب الأرض من الشمس فتبتلعها ؟
ومن هو المسئول عن هذا النظام البديع المحكم الذى يمسك السماوات والأرض أن تزولا ؟


(إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفور )

كل ما فى الكون يقطع بوجود الحق تبارك وتعالى ويشهد له
ولا تنكر العقيدة الإسلامية أن يستدل الإنسان نفسه وبالكون على وجود الله وانما تدعو إليه، وهذا يؤكد احترام هذه العقيدة للعقل.
وتوجد مستويات للاستدلال على وجود الله،
فالنظرة التقليدية تبدأ من الكون والإنسان، أي تستدل من وجود الكون على وجود الله
أما النظرة الأعلى والأرقى فهي تجاوز الوجود إلى الموجد وتجاوز الكون إلى الله، أي أنه تستدل بوجود الله على وجود الكون
وهكذا يفعل بعض المفكرين الإسلاميين، فمنهم من يعتقد أن الفكرة التقليدية في الإستدلال على وجود الله خطأ


فيقول النفرى فى كتابه ( المواقف والمخاطبات )
انه يرفض أن يستدل بوجود الكون على وجود الله
( أنا لا يستدل على .. انما يستدل بى )


وأيضا يرفض ابن عطاء الله السكندرى الفكرة التقليدية فى الاستدلال على وجود الله
ويعتقد أن الكون كان ظلمة أنار بظهور الحق فيه،
فمن رأى الكون ولم يشهد الله فيه أو عنده أو قبله أو بعده .. فقد حجبت عنه شموس المعارف بسحب الأثار فكيف يتصور العقل أن يحجبه شيء وهو أساس كل شيء ولولاه ما كان وجود كل شىء ؟
كيف يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء.."
إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟
أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟
متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟
ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟
شتان بين من يراه ويستدل به ومن لا يراه فيستدل عليه".


إن الكون نسبي وجوده مؤقت .. له بداية وله نهاية
أما الله تبارك وتعالى فهو الأزلي المطلق الدائم
وما يراه المفكرون يتفق مع ما يراه العلماء الماديون

  الذين يقولوا أننا
( نحن نحكم على الكون بحواسنا الممنوحة لنا ، وهذه الحواس مخادعة ولا تقود الى الحقيقة وليست نهائية .. اذن فان الحقيقة التى ندركها كبشر أو نستمدها من الكون هى فى نهاية الأمر نسبية أما الحقيقة المطلقة فلا يعلمها الا الله )

قمة النظر في العقيدة الإسلامية إذا سئلت : ما الدليل على وجود الله .. أن تقول : الله.
فإن قيل لك : ألا تشك في وجوده ؟
فقل : أشك في وجودي و لا أشك في وجوده .. (أفي الله شك فاطر السماوات و الأرض)
فان قيل لك :
لابد لكل دليل من شهادة يستند اليها .. ما هى شهادتك فى التدليل على وجود الله ؟
قل : قول الله تعالى
(شَهدَ اللهُ أَنَّهُ لا إلهَ إِلاَّ هُوَ وَالملائِكةُ وأُولُوا العِلْمِ قَائِماً بِالقِسطِ لا إلهَ إِلاَّ هُوَ العَزيزُ الحَكيمُ)

اذا سئلت :
لماذا أضاف الله شهادة الملائكة وأولى العلم الى شهادته ؟
قل :
تكرما من الله على الملائكة .. وتشريفا من الله للعلماء .. وليس استدلالا بشهادتهم

( شَهدَ اللهُ أَنَّهُ لا إلهَ إِلاَّ هُوَ )
هذه شهادة الجلال الخالق .. وهى عين اليقين
واذا شهد الخالق , فأى شىء يبقى للمخلوق أن يقول ؟
... ....
الله فى العقيدة الاسلامية
أحمد بهجت

الأربعاء، 25 يوليو 2012

الوعى بالله

أصل الإنسان و فصله هما التراب و النطفة.
جد الإنسان الأول هو التراب.
و أبوه المباشر هو النطفة.
و التراب يوطأ بالأقدام ، و النطفة تغسل منها الثياب ..
فتأمل من يستعلي على الله تعالى و ينكره أو يجحده ، متناسيا أصله و فصله
(الذي أحسن كل شيء خلقه ، و بدأ خلق الإنسان من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين)

الانسان كائن لا علاقة له بأصله ولا بفصله .. كائن تختلف مادته عن مادة الجد والأب .. يختلف عن الملائكة كما يختلف عن وحوش الغابة
يختلف عنهم بالعقل ويختلف عنهم بالوعى الانسانى
ولكنه يتساوى معهم ومع بيقة الخلائق فى الافتقار الى الله .. والحاجة اليه
يستوى فى فقره الى الله .. من يعرفه ومن ينكره .. من يعبده ومن يلحد فى أسمائه

يدرك المؤمن بوعيه أنه يحتاج الى رحمة الله وعونه
ولا يعى الكافرين أنه يعيش عالة على نعم الله رغم أنه يجحد المنعم
واختلاف الادراك عند العارفين والنكرين هو الذى يضع العارفين فى قمة الخليفة بسبب الوعى ويضع المنكرين فى مرتبة أدنى من حصى القاع وصخور الجبال

- جميع الكائنات تعرف لها خالقا وهو الله ..

( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ فبأى آلاء ربكما تكذبان )

تعبده وتسبحه بأسلوب غامض قد يخفى على بقية الخلق

( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )

 


- اذا كان الانسان المؤمن يسبح الله بلسانه وعقله وقلبه
فان المنكر لوجود الله لا يستطيع الزعم بأنه المسئول عن تسيير قلبه ودقاته .. ولا يستطيع الزعم بأن آلاف العمليات الكيميائبة التى تقع فى معدته تقع تحت اشرافه وهيمنته وتحكمه
هذا النظام المحكم الدقيق نوع من أنواع تسبيح الخلايا لله ..
اذن لا يستطيع أعتى الكافرين أن يمنع خلايا جسده من تسبيح الله رغم أنفه .. ولا يستطيع أن يمنع جوارحه من الشهادة عليه يوم القيامة رغم أنفه
فمعيار التمييز هنا هو الوعى
ماذا لو أسقط الانسان وعيه بالله ؟
يحدثنا التصور الاسلامى عن حجارة أرق وألين من البشر

( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله )


أيكون لحجارة الجبل من الوعى الغامض والادراك الصامت ما ليس لانسان ينكر الله تعالى ؟

ان الوعى صفة انسانية أصلا .. وانخلاعها عن الانسان يعيده عاريا الى التراب الذى جاءت منه نشأته الأولى
بل ان انخلاع الانسان عن وعيه بارادته وكفره بالله تعالى يجعله ينزل فى مرتبة الخلائق عن درجة التراب الذى جاء منه

{ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا }


اذن فقد صار التراب أمنية ورغبة مشتهاة

وكيف يكون التراب أمنية الا اذا كان الانسان بغير وعى أقل منه وأدنى ؟

من هنا تجىء أهمية معرفة الله تعالى
بغير معرفة الله ينعدم وعى الانسان وتصير حجارة الجبال أرق من قلبه وألين ويصير تراب الحقول أشرف من عقله وأكرم

والمعرفة أنواع عديدة
معرفة الانسان لنفسه
ومعرفة الانسان لخصائص الحياة وطبائع الأشياء
ومعرفة الانسان لربه
وهذه المعرفة الأخيرة أخطر من دقات قلب الانسان للانسان
نحن نعرف ان توقف القلب يكون ايذانا بوفاة الانسان وعودته الى التراب
لكننا لا نعرف أن توقف معرفة الله عن الانسان تعنى وفاة الوعى الانسانى
وأخطر أنواع الموت هو موت الأحياء الذى لا يدركونه
وهذا ما يكرهه الله لعباده
أن يكونوا قلوبا لا تشعر وعقولا لا تعرف وآذانا لا تسمع وعيونا لا ترى
يأبى الله لعباده أن يكونوا كائنا بلا وعى

لهذا دعا الله تعالى الخلق الى عبادته
وأفهمهم أنه تبارك وتعالى غنى عن انتظار الرزق منهم .. انما هو الذى يرزقهم ويطعمهم .. وأخطر رزق يسوقه اليهم هو دعوتهم الى عبادتهم ومعرفته ..
تشحب كل أنواع الرزق الى جوار هذا الرزق .. وتنفذ كل أنواع الرزق ويبقى هذا الرزق .. رزق يتمثل فى الاذن لعباده أن يعرفوه .. والسماح لهم أن يعبدوه
ولولا لطفه بالخلق لتركهم يولودون ويهلكون أقل مما تولد الأشياء وتهلك .. ولولا هذا الحنان من لدنه لما عرفنا أن لنا خالقا نتجه اليه بذل الدعاء ونعرف فى الذل مجد العبودية

(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون - ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين )

الله عز وجل هو الغنى عن عبادة العابدين وهو المتعالى عن انكار المنكرين
ولو أن الجن والانسن منذ خلق الأرض الى يوم البعث كفروا بالله وألحدوا فى أسمائه ما خدش ذلك شيئا من جلاله
ولو أنهم عبدوه حق عبادته ما زاد فى ملكه شيئا
انما يزيد العابد فى ملكه الخاص حين يعبد
ويجور الكافر على ملكه الخاص حين يكفر
وليس فى الكون المرئى أو الخفى مخلوق الا ويعيش عالة على الله عز وجل

ورد فى الحديث القدسى قوله تعالى

«يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضَرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني»
يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا

يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجرِ قلب واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا

يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عِبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه



الله فى العقيدة الاسلامية 
أحمد بهجت